غضب بعض المحللين من أن برنامج 60 دقيقة الأمريكي قد حصر الصراع بين الإخوان والعسكر، وإن أردنا الحيادية لوجدنا أنهما الكتلتان الوحيدتان المؤثرتان اللتان تمثلان ثقلًا على الأرض، احداها مدنية والأخرى عسكرية، والدليل ما نراه الآن من تغول عسكري في غياب الإخوان لا يجد في القوى الليبرالية حائط صد له.

صور البرنامج تبعًا للتوجه الأمريكي حكومة مرسي بالفوضوية التي حاولت التفرد بالسلطة، متجاهلًا أن الديكتاتورية والفوضى لا يجتمعان، فالديكتاتور دائمًا يملك أدوات القمع من جيش وشرطة تخلق استقرارًا على حساب الجميع، وهذا ما لم يمتلكه مرسي. هذا المضمون الذي رُوج له خارج مصر وداخلها كان له أكبر الأثر في تشويه صورة التجربة الديمقراطية الوليدة في شخص أول مكتسباتها، وكأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية غافلة لم يكن لديها تقارير بنسب تمثيل جماعة الإخوان في مجلس الشعب، وفي لجنة الدستور، وفي الوزارات، وكمحافظين، ولم تكن تعلم بتغلغل الدولة العميقة وإفرازاتها الحديثة في كل مفاصل الدولة بحيث لم تمكن مرسي «الإسلامي» من استخدام صلاحياته واستكمال فترة حكمه، لتخلص الحلقة إلى أن صفحة حكمه قد طويت لحساب مجرم وُلّي بتضامن شعبي مصنوع يرضون وجوده، فهو يحدثهم بلسان يعجبهم عن إسلام حديث يخطب فيه إمام أزهره في كاتدرائية ويعظ فيه قس في المساجد، أما نموذج الإسلام كما أنزل فيصفه بالتشدد والتطرف والإرهاب، ويحصره في اسم جماعة يضم إليها من يرغب بتهمة اختلاف المنهج. ألم يقل يومًا إنه كحاكم مسؤول عن دين المصريين! ألم يقر في مناسبات إسلامية عديدة أن هناك كلامًا قديمًا لم يعد مقبولًا اليوم في إشارة إلى السنة النبوية المطهرة! ألم يكن أول رئيس «مسلم» يدعي أن مليارًا ونصف المليار من المسلمين يريدون قتل بقية سكان العالم ليضعف جانبهم ويؤكد اتهامهم بالإرهاب وينصب نفسه «سوبرمان» المنطقة!

أشار عبد المجيد درديري أحد أعضاء جماعة الإخوان إلى أن التدخل في الشؤون السياسية لم تكن مسؤولية جنرالات الجيش، وتلك نقطة لا يقبلها الشارع الأمريكي على نفسه بينما يتفهمها في ظل إزاحة من يخالف مصالحه، فهم يقبلون فكرة أن جنرالًا عسكريًا، سواء كان لجيش داخلي أو خارجي، يكتسح ليسقط رئيس أي دولة بحجج أخلاقية كستار لمكاسب مستترة، بينما يتبعون الأساليب القانونية فقط لإسقاط رؤسائهم إن استطاعوا حتى لا يهدموا نظام دولتهم؛ رباهم إعلامهم كما ربى شوارعنا العربية على إسباغ رداء الحقيقة على الأهواء.

ضحك المارق من إشارة المذيع إلى أن هناك من المصريين من لا يعتبره رئيسًا بل ديكتاتورًا عسكريًا، فالجنرال المتأله يرى استحالة أن يكون له معارضون، وأن كل من يخالفه ما هو إلا متطرف متشدد. إن من أفظع ما قد يرتكبه شعب بحق نفسه أن يأتي برئيس مخابراته الحربية لينصبه رئيسًا؛ فهو أدرى رجل بخباياه ومفاتيح تفكيره، يحرك خيوط التلاعب به، يعرف من أين يتسلل إلى دفاعاته، وكيف يحفر أنفاق الهروب من جرائمه. يتلون المخابراتي حسب أسئلة الحوار، فيضحك مرة ويتهرب مرة ويصد السؤال بآخر مرات، فيدير دفة الهجوم عليه إلى الهجوم المضاد فيسأل المذيع عن مدى متابعته للموقف في مصر ومن أين يستقي معلوماته ليجلس في كرسي المحقق ومن يحاوره في كرسي الاعتراف، ولكن لسوء حظه أنه سقط بين يدي مذيع متمرس في برنامج يحظى بمصداقية لدى المتلقي الأمريكي لما له من مصادر موثوقة بحيث يصبح ما يفعله الجنرال ماهو إلا محاولات مزرية للفرار من وصفه بمجرم حرب.

يُذَكر المذيعُ المنقلبَ بفخر بكونه عسكريًا تم تدريبه على يد الجيش الأمريكي، ويستفسر عن مدى تكافؤ القوى في رابعة؟ فيتملص الأخير ليؤكد للشعب الأمريكي أنه كان مضطرًا لذلك للحفاظ على البلاد، كما أكد لهم أن تعاونه مع الكيان الصهيوني هو الأعمق والأقرب، وضرب بعرض الحائط مشاعر مواطنيه في محاولة بائسة للتودد للأمريكان، وأردف مبررًا أنه يحتاج لذلك ليعبر الطيران المصري للكيان لمطاردة الإرهابيين، ويبدو أن القناة اضطرت لحذف تأكيده بالسماح للطيران الصهيوني بالتدخل ضد داعش في سيناء، كما اضطر الكيان بسبب حماقة اعترافه لنفي تعاونه معه خوفًا من أن يصبح شريكًا في جرائم الحرب التي يرتكبها هناك.

وينهي القاتل الملعون بحسب وصف ترامب له حديثه بعصارة كذبه فيقول أنه يتعامل مع متشددين ومتطرفين مسلحين قتلوا وأنه كحامي الحمى لا يطاوعه ضميره المبتور على نسيان حقوق من سقطوا من جيش وشرطة ومدنيين، وجدير بالذكر أن هذا الكم من الجرائم الإرهابية والمدنية والطائفية والأخلاقية لم تنتشر بهذه الصورة القميئة الفجة إلا بوصوله لسدة الحكم.

ربما لم تأت الأسئلة على المستوى المطلوب، وربما كنا نتمنى أن تفرد لها مساحة أكبر، ولكنها كانت كافية لإظهار دمامة وجه النظام المصري والعالمي على حد سواء. ولا ننسى أن المحذوف ربما كان أكثر من المعروض، وربما كانت القيود أكثر من تخيلنا البسيط، ولكني أراها حجرًا يلقى في ماء راكد حتى لا تموت القضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد