يعد وائل غنيم من أبرز الشباب الذين دعوا إلى ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011. انتقل وائل غنيم من القاهرة إلى دبي الإماراتية في يناير 2010، وعمل مديرًا إقليميًا لشركة «جوجل» لتسويق منتجاتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مارس (أذار) من نفس العام، تم اختياره لنيل جائزة كينيدي للشجاعة، كما اختارته مجلة «التايم» ليكون الاسم الأول في قائمتها السنوية التي تضم أكثر 100 شخصية تأثيرًا حول العالم.

في 2013 كان وائل غنيم من ضمن من أيدوا الاحتجاجات ضد الرئيس مرسي المنتخب ديمقراطيًا بعد ثورة يناير، مستخدمًا صفحة «كلنا خالد سعيد» التي أسسها مجموعة من الشباب للثورة على نظام مبارك، ليدعم من خلالها مظاهرات 30 يونيو (حزيران) التي شكلت نواة الانقلاب العسكري في مصر.

أغلق وائل الصفحة يوم إعلان الانقلاب، واكتفى بصفحته الشخصية وآرائه التي تعبر عنه، وهو يعمل حاليًا زميل تدريس غير مقيم في مركز «آش» للحوكمة الديمقراطية والابتكار في كلية كنيدي جامعة هارفارد.

اختفى وائل غنيم لفترة طويلة إعلاميًا، ثم عاد ليغرق مواقع التواصل الاجتماعي منذ عدة أشهر بمقاطع فيديو تعبر عن حالة اكتئاب وربما مرض نفسي من نوع ما. يظهر وائل وهو يأتي بأفعال وحركات منافية لسمته الأول، ويتقرب إلى الشباب من صغار السن الذين لم يعاصروا تاريخه القديم، ويقدم لهم النصائح بطريقة تثير ضحكهم حتى دخل ضمن رموزهم الفكاهية على الإنترنت صورًا، ومقاطع فيديو، واقتباسات، ووسوم.

عاد غنيم وهو يحاول تقمص شخصية نيلسون مانديلا في دعوته للسلام الداخلي، ومحبة الآخر، والتسامح والغفران، لكن للأسف جاء أداؤه مختلفًا، فهو يهاجم بشراسة وبذاءة كل من يعارضه، بل يتحرش لفظيًا بشخصيات عامة من فريقه العلماني المشارك في الثورة، ومن عدوه التقليدي المتمثل في التيار الإسلامي.

يمكن النظر لوائل من زاوية حسن الظن، إذا ما تخيلناه سيث براندل العبقري في فيلم «الذبابة» الذي نجح في اختراع آلة انتقال آني تستطيع نقل الأشياء من مكان لآخر، وأراد اختبار الآلة فدخل كابينتها وتسللت معه ذبابة، وبعد أن خرج بدأت تغيرات مريعة تظهر على جسده، فيتحول إلى مسخ مخيف أو حرفيًا إلى ذبابة آدمية. مر وائل بتجربة يبدو أنه كان غير مجهز لها، حين قرر أن يعقد شراكة مع قادة الجيش الذين ثار ضدهم في يناير، في مقابل الخلاص من الإخوان المسلمين رفقاء الميدان.

أما إذا نظرنا لغنيم من زاوية أخرى وتساءلنا، لم عاد الآن تحديدًا، ولم هذه العصبية؟ ما سر العجلة؟ ولماذا يحاول أن يعيد انتشاره بأي ثمن حتى لو ضحى بتاريخه، وصورته الذهنية التي احتفظ له بها المصريون في مخيلتهم؟

يجيبنا عن كل هذه الأسئلة، التوقيت، أتي وائل بمشروع تأييد ومحبة منقطعة النظير للمنقلب، ودعوة للوقوف خلفه، ودشن وسمًا مضادًا لآخر دشنه محمد علي الداعي للنزول في 25 يناير لإزاحته، فالأول يحذر من النزول؛ لأنه خاض تجربة ثورية يرى فشلها، والآخر يدعو لثورة بعد إعلانه عن وثيقة يعتبرها مرجعية، لم يعلن عن فريق إعدادها.

يكشف هذا التصادم بين غنيم وعلي، عن طبيعة الصراع الدائر بين الدول الاستعمارية الكبري ومصالحها في مستعمراتها التي كسبتها بعد معاهدة «سايكس بيكو»، والتي جاءت خطة الشرق الأوسط الجديد بما اشتملت عليه من فوضى خلاقة لتعيد تقسيم حصصها؛ كما تعكس صراعًا قائمًا بين أجنحة موالية لهذه الدول داخل الجيش، هذا الصراع الذي لا يسمح له بالطفو على السطح أبدًا.

يحاول غنيم إنبات شعبية جديدة له وسط صغار السن وتأسيس مبدأ جديد، وهو انتهاء عهد الثورات التي عرفها بأنها محض مؤامرة، وأن كل من يدعون إليها خونة يعملون لصالح أجندات أجنبية، في مطابقة مثيرة للشك والريبة لما يدعيه النظام الانقلابي في مصر، بالرغم من أن النظام ذاته يتهم غنيم وزملاءه بنفس الاتهامات! ترى هل تورط غنيم في اتفاق آثم بدأت تظهر آثار بنوده الآن؟

أعتبر السيسي مهندس ثورة يناير الخفي وطرفها الثالث، فقد قال في أحد خطاباته أنه كان هو المنوط بمحاورة أطراف الثورة، كان الرجل مديرًا للمخابرات الحربية في مصر، ومن اقتحمت في عهده السجون، ومن خطط ومجلسه العسكري بهدوء لانقلاب على مبارك بغطاء شعبي، وحرص على أن يخلي الساحة من المرشحين حول مدني إخواني، ليفوز فيسهل الخلاص منه ومن جماعته عبر هجمة إعلامية ساقطة يديرها من خلف ستار؛ فهل استطاع أيضًا أن يوقع ببعض الشباب بين براثنه؟

بين دعوات مجهولة المصدر يمثل واجهتها محمد علي الذي يستثير حماس المصريين بحجة إخراج المعتقلين وإنقاذ مصر من بركة الوحل التي سقطت فيها، وبين وائل غنيم كممثل للنظام المنقلب، يحاول السيطرة على كتلة الشباب المؤثرة في أي حراك، ليثبطهم عن الخروج؛ تقف مصر متعبة، منهكة، على سلم الثورة، لا العالم يراها، ولا النظام يسمعها.

بالرغم من كل ما يحاك في الظلام، وكل ما يدبر بليل، ما زلت أرجو من الله أن يجعل مصر الصخرة التي تتكسر عليها جيوش تتار كل زمان، وأن يغسل شبابها الأنقياء ما لحق بها وبأوطاننا العربية والإسلامية من عار، وما ذلك على الله ببعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد