لم يكد المصريون يفيقون من الفاجعة التي ألمت بهم جميعًا يوم تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، حتى جاءتهم صفعة جديدة على جبين وحدتهم الوطنية وتعايشهم المشترك. فخرج علينا أحد رجال الأزهر الشريف ليطلق سهام التكفير إلى صدور أبناء هذا الوطن من المسيحيين، جاعلًا من نفسه وصيًا وحكمًا على إرادة الناس ومعتقداتهم، فيصنفها هذه صالحة وتلك فاسدة!

ولم تتوقف المهزلة عند هذا الحد، بل نجد على الجانب الآخر أحد القساوسة المصريين يزيد الطين بلة، ويتعمد تزييف التاريخ بإعلانه على الملأ في إحدى العظات أن الدين الإسلامي قد دخل إلى مصرنا الحبيبة تحت لواء السيف والرمح! ظنًا منه أنه بذلك يدافع عن الرسالة المسيحية وأتباعها من المصريين، ويرد للمسلمين الصاع صاعين.

هذا المشهد المؤسف من رجال الدين المصريين يثير في الأذهان مشهد الكوميديا السوداء في افتتاحية فيلم: حسن ومرقص.  الذي تم إنتاجه عام 2008، وفي هذا  المشهد التمثيلي الواقعي استنكر الشيوخ والقساوسة – في الخفاء – أيقونة الوحدة الوطنية المصرية وما يحيطها من تسامح ديني، وأخرجوا ما في قلوبهم من تعصب وضغائن، ثم هتفوا بعدها في العلن: عاش الهلال مع الصليب!

هذا المستوى المنحدر من الخطاب الديني من كلا الجانبين، يشير إلى خطر داهم ونيران خبيثة وقودها الجهل والتعصب والتطرف والأفكار الدينية المغلوطة، وهذه النيران تكون أشد خطرًا وشراسة عندما تصدُر تحت عباءة الأديان.

يجب على الشيخ الأزهري، بل على كل رجال الدين، أن يعوا جيدًا دورهم ومهامهم في المجتمع، والتي تبعد كل البعد عن تكفير المواطنين والتحقير من معتقداتهم، حتى لو كان ذلك تحت ستار تفسير القرآن الكريم، فهو نفسه القرآن الذي قال فيه الحق تبارك وتعالى في سورة البقرة: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. وهي نفسها كلمات الله في سورة النحل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

كان على الشيخ – الإعلامي الدكتور – أن ينطق بما يبني المجتمع ويوحد صفوفه ويقوي تماسكه ووحدته، ويرسخ في نفوس شبابنا قيم التسامح و المواطنة، وكان عليه قبل كل ذلك أن يحترم مشاعر ومعتقدات أشقائنا في الوطن، مقتديًا بسنة الحبيب المصطفى ﷺ الذي وقف احترامًا لجنازة اليهودي، قائلًا عبارته المضيئة الخالدة في صفحات التاريخ: أليست نفسًا؟ وهو نفسه رسول الرحمة ومكارم الأخلاق الذي ذهب لزيارة جاره اليهودي المريض عندما لم يجد منه الأذى المعتاد الذي يحرص اليهودي على تركه يوميًا أمام دار النبوة. وغيرها من المواقف الإنسانية العظيمة التي علمنا فيها نبينا الكريم قواعد وأصول التعامل مع غير المسلمين على أساس سليم من الود والاحترام والمعايشة.

وبدلًا عن أن يتصدى الشيخ للحكم على العقيدة المسيحية بأنها فاسدة ويكفر نسبة ليست ضئيلة من الشعب المصري، كان عليه أن يستغل برنامجه الديني لنشر قيم الإسلام الوسطية السمحاء، والتي تملأ القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، بل كان الأولى به أن يلقي على مسامع المشاهدين قصص وحكايات الرحمة والتسامح والتعايش المتبادلة بين أبناء الشعب المصري العظيم، والتي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.. كان عليه باختصار أن يقل خيرًا أو ليصمت.

ولكن يبدو أنه قد نسى هذه الوصية النبوية الجامعة المانعة، تمامًا كما نسى القس أو تناسى حقائق التاريخ الإسلامي ليتهم الإسلام بأنه دين السيف والرمح! وإن كان هذا هو تفسيره لدخول الإسلام إلى مصر، فعليه – إن كان يستطيع – أن يجد لنا تفسيرًا تاريخيًا لانتشار الإسلام في الهند والصين وباكستان وإندونسيا وماليزيا وألبانيا والبوسنة والشيشان ونيجيريا والسنغال، وغيرها من البلدان في شتى أنحاء الأرض، والتي دخل أهلها طوعًا إلى الإسلام اقتناعًا وإيمانًا بقيمه وقواعده وأركانه، وكان السبب الأوحد في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة التي لاقوها من التجار والعلماء المسلمين على مر العصور.

وفي الحقيقة، أنا لم أكتب هذه السطور دفاعًا عن الدين الإسلامي الحنيف ضد خرافات هذا القس؛ فهي لا ترقى لأن تكون محلًا للبحث أو الرد، فالقاصي والداني يعلم علم اليقين أن الإسلام قد دخل أرض مصر الطاهرة عام 641 م وسط ترحيب أقباطها المضطهدين من الروم البيزنطيين، ومن يومها لم تمتد يد مسلم حقيقي إلى الكنائس أو الأديرة، ولم تمتد بالحرب إلى مدني أعزل أو شيخ كبير أو صبي صغير أو امرأة، ولم تقتلع شجرة ولا غرس، وهل يجرؤ أن يفعلها مسلم يعرف الإسلام حق معرفة، بعد أن أوصانا النبي محمد ﷺ بأقباط مصر خيرًا، لنا فيهم ذمة و رحمة.

الهدف الحقيقي من هذه السطور، التنبيه أن وطننا قد أضحى في خطر داهم، علينا جميعًا مسلمين ومسيحيين التصدي إلى هذا الخطر وإعادة التفكير في المناهج والأفكار التي نربي عليها عقول أبنائنا، علينا أن نقف بحزم ضد خطابات التكفير والتعصب والكراهية، وأن نعلم أبناء مصر في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام أن قساوسة مصر  وقفوا يومًا على منبر الأزهر دفاعًا عن الوطن ضد الاحتلال في ثورة 1919، بدلًا عن أن نعلمهم أن عقيدتهم فاسدة! ومرورًا بحروب 56 و 67 و 73 وإلى يومنا هذا يسقط الشهيد المصري المسيحي إلى جوار الشهيد المصري المسلم دفاعًا عن تراب سيناء، ولو كان رجال الدين من الجانبين يبحثون عن عقيدة صالحة يتحدثون عنها في دور العبادة أو الفضائيات، فهي فقط التي تربينا عليها في مصر ولا نعرف غيرها: الدين لله والوطن للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد