مما لا شك فيه أن مصر تشهد أزمة حقيقية قد يحاول البعض أن يُخفيها وقد يُفلح في ذلك، ولكن قد يكون انفجار تلك الأزمة مباغتًا وقويًا ومفاجئًا.

الإشكالية في مصر أنها واقفة في المنتصف دائمًا، وربما ذلك عائد لطبيعتها الجغرافية والتاريخية التي شكلت ملامح الشخصية القومية المصرية.

وبالتالي كل الحلول الوسط لن تُفلح في إصلاح ما تهالك عبر كل تلك السنوات، فهي تحتاج لحلول جذرية ومواجهة قوية وهذا ما عبر عنه النظام الحالي، لكنه لم يُحسن اختيار المعركة ولم يُحسن إدارتها كذلك!

فإن كانت الحلول الجذرية مطلوبة، فإن الانفراد والوصاية والاستبداد واستخدام الأدوات القمعية سيأتي بنتيجة عكسية، فالحل الجذري سيؤتي ثماره إن ترافق والتحول الديموقراطي الذي هو الطريق الأمثل، فلا يمكن أن تتحقق تنمية اقتصادية ولا نهضة حقيقية في ظل استبداد وحكم شمولي، وتلك من القواعد المقررة في علم السياسة وما يختلف عنها يعد من قبيل الحالات الشاذة والنادرة، التي يعتبرها علماء السياسة من المشكلات البحثية التي تحتاج لدراسة خاصة.

وحده التحول الديموقراطي هو الذي سيؤدي إلى الخروج من دائرة الكلام السياسي إلى دائرة العمل السياسي، ومن ضيق الفكر السياسي الأيديولوجي إلى رحابة العلم السياسي الموضوعي.

ما هي البدائل والسيناريوهات؟

هناك نمطان من عملية الدمقرطة: النمط الأول هو التحول الديموقراطي، والنمط الثاني هو الانتقال الديموقراطي. والتحول الديموقراطي هو عملية تحول تدريجي وسلمي، ويمكن أن يتم ذلك بإحدى طريقتين، إما أن يكون ذلك التحول بمبادرة من النظام طوعًا، وذلك حفاظًا على مصالحه وكي يبقى في السلطة فترة أطول فيلجأ إلى ديموقراطية شكلية فحسب.

أو أن يحدث هذا التحول نتيجة اصطفاف قوى المعارضة المعتدلة وبعض النخب الحاكمة الإصلاحية، عندما يدرك الجميع أن سفينة الوطن مهددة بالفعل، وأن الصراع السياسي لا بد وأن يتخذ شكل منافسة سياسية تحافظ على المصالح المشتركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ويكون التركيز هنا على بناء مؤسسات ديموقراطية راسخة، وليس على الانتقام وتصفية الحسابات وعلى الحلول الفاعلة وليس الحلول العادلة.

أما نمط الانتقال الديموقراطي فهو نمط يتسم بالراديكالية وعدم القبول بالمساومات والحلول الوسط، فبناء نظام جديد لا بد وأن يقوم على أنقاض النظام الحالي ويتم ذلك بإحدى طريقتين، إما داخليًا عبر ثورة/انقلاب يحوز على دعم جماهيري عارم، أو عبر التدخل الخارجي المباشر أو غير المباشر، وعادة ما لا يؤدي هذا النمط إلى بزوغ عهد ديموقراطي مستقر، إنما ينتج عنه أشكال جديدة من النظم السلطوية بل ربما الشمولية، وذلك ما حدث في دول الربيع العربي – باستثناء تونس حتى الآن!- وكذلك في العراق التي كانت تسعي الإدارة الأمريكية لجعلها واحة الديموقراطية!

وإذا ما نظرنا لتلك البدائل والسيناريوهات المتاحة وحاولنا تطبيقها على الحالة المصرية، لوجدنا أن النظام لن يبادر بتلك الخطوة، وأنه على النقيض يقوم بالاتجاه الأكثر من السلطوية نحو الشمولية، فالنظم السلطوية وإن كانت استبدادية فإنها تشهد بعض الهوامش من الحقوق والحريات على عكس النظم الشمولية التي تنعدم فيها تلك الهوامش تمامًا.

أما سيناريوهات الانتقال الديموقراطي فقد أثبتت فشلها، ولا نعتقد أنه يمكن على المدى القريب أن تشهد المنطقة موجة ثانية من الثورة -كما يأمل البعض- لأنها ارتبطت في الأذهان بالفوضى ولا يوجد أبلغ من تغني البعض بأيام مبارك للتعبير عن ذلك!

فبعيدًا عن المثاليات والاعتماد على المعجزات، فالواقعية السياسية تقتضي إدراك الظروف والمعطيات، خاصة أنه وبسبب صعود اليمين المتطرف والتوجهات الشعبوية وتزايد الإلحاح الدولي على قضية الإرهاب والتي التقطتها الأنظمة المستبدة في المنطقة العربية، يصعب أن نشهد أي ضغوط خارجية من أجل عملية الانتقال الديموقراطي، خاصة وأن تلك الأنظمة تقدم نفسها الآن بحسبها المدافعة عن الغرب ضد الإرهاب الإسلامي!

وفي السياسة لا يوجد أبيض وأسود، ولا صراعات كونية سرمدية من قبيل فريق الحق في مواجهة فريق الباطل، وتلك السرديات المغرقة في المثالية التي تتبناها الكثير من الجماعات والأحزاب الإسلامية والتي لا ينكر أحد أن لها حضورًا جماهيريًا واسعًا وتستند إلى أيدولوجية لها جذورها الراسخة في التاريخ ولها دورها المؤثر والفاعل.

فيبدو أن السيناريو الأكثر موائمة للظروف هو السيناريو الثاني؛ التحول الديموقراطي عبر الاصطفاف والتنسيق بين قوى المعارضة المعتدلة ورموز الحُكم من الإصلاحيين، حال تواجدهم، وما تشهده مصر الآن من أزمات تتصاعد وتيرتها إنما يتيح المجال لوجود مصالح مشتركة أكثر بكثير من المصالح المتعارضة، ذلك إن أحسن كل فريق إيجاد المساحات المشتركة وعقد التحالفات المتينة وإعادة اللحمة للشرخ الذي أصاب المجتمع، وفي حال تعنت النخب السياسية عن تلك الخطوة وقبولها بالتنازل عن بعض متطلباتها للمصلحة العامة، فإننا لن نشهد خروجًا من ذلك النفق المظلم الذي اقحمتنا فيه تلك النخب بسبب ذلك التعنت ذاته، ولا يحسبن أحد أن لهذا النفق نور في نهايته، فالإجراءات التي ينتوي النظام اتخاذها ستؤدي إلى هزات اجتماعية هائلة وتغيرات بنيوية وهيكلية سيصعب إصلاحها فيما بعد.

فالنظام الحالي ينوي المضي قدمًا في ذلك الطريق الوعر، ولن يقوى أي نظام مهما بلغ من قوة وقدرة على السير في ذلك الطريق وقاطرة الوطن متهالكة بهذا الشكل، فينبغى قبل الإقدام على تلك الخطوات الضرورية للإصلاح أن يتم إصلاح قاطرة الوطن أولًا ولن يتأتى ذلك الإصلاح إلا عبر التحول الديموقراطي الحقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد