مصر على مدار الخمسة أعوام الماضية  تراجعت القوة الاقتصادية وأصابها الانهيار الشديد، سواء اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.

وبالنظرة إلى القطاع الاقتصادي نتيجة قيام الجيش بالاستحواذ على الحياة السياسية والاقتصادية، نجد أن مصر تراجعت كثيرًا، ووصل حجم الدين الداخلي إلى 2ترليون و259 مليار جنيها بعدما كان قد توقف عند ترليون ومأتي مليار جنيهًا، وحجم الدين الخارجي من 28 مليار دولار إلى 47 مليار دولار، وهو ما يهدد البلاد بإعلان الإفلاس.

ولذلك نجد أن تكلفة نزول الجيش إلى الشارع في مصر تتفاقم، والاقتصاد يتهاوى، ولا أحد يُدرك أو يلتفت إلى حجم الكارثة، في الوقت الذي ينهار فيه الجنيه المصري تدريجيًا، وترتفع نسبة التضخم في البلاد بصورة جنونية، وتزداد الأوضاع المعيشية للمصريين سوءًا، بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف وأسعار السلع والمواد الأساسية.

وأنه في شهر ديسمبر 2010، أي قبل شهرين فقط من نزول الجيش إلى الشارع في مصر،  خلال ثورة 25 يناير العظيمة، كان احتياطي النقد الأجنبي في مصر يتجاوز 36 مليار دولار، أما اليوم فيصارع البنك المركزي المصري من أجل الحفاظ على مستويات الـ16 مليار دولار فقط، ويبدو واضحًا أن الرقم سيهبط سريعًا خلال الشهور القليلة المقبلة.

أما الكارثة فتظهر لنا بكل وضوح عندما نعلم بأن إجمالي الديون الخارجية لمصر بلغ 46.1 مليار دولار، كما هو في ديسمبر 2015، أي أن إجمالي الديون الخارجية تزيد بنحو ثلاثة أضعاف عن السيولة النقدية المتوفرة لدى الحكومة في مصر.

خاصة أنه خلال الفترة القليلة الماضية حصلت مصر على ثلاثة قروض مختلفة، تمثل هذه القروض الثلاثة مؤشرًا آخر على حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر وعمقها وخطورتها.

أما القرض الأول فقيمته ثلاثة مليارات دولار ومصدره البنك الدولي، والقرض الثاني قيمته 1.5 مليار ومصدره بنك التنمية الأفريقي، فيما يتمثل القرض الثالث في أذون خزانة بقيمة 7 مليارات جنيه أصدرتها وزارة المالية المصرية وبفائدة 12.5٪. مشيرًا إلى أن القروض المتراكمة على الحكومة، مع تهاوي حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، مع تراجع حاد في إيرادات قناة السويس، إضافة إلى تدهور آخر في القطاع السياحي الذي تشكل إيراداته أكثر من 13٪ من تدفقات النقد الأجنبي على مصر.

كل هذا يدفع إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد في مصر يسير في طريق مجهول، وأن سعر صرف الجنيه المصري الذي هبط بأكثر من 15٪ منذ منتصف يوليو 2013 حتى الآن سوف يواصل الهبوط خلال الفترة المقبلة، وأكد عايش أن البيانات المتوفرة عن الاقتصاد المصري تدفع إلى الاعتقاد بأن الجنيه سوف يشهد مزيدًا من التدهور خلال الشهور المقبلة ليصل الدولار الأمريكي الواحد إلى عشرة جنيهات، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات حادة في أسعار السلع والمواد الأساسية، وبالتالي يتسبب في مزيد من التدهور في الحياة العامة والظروف المعيشية للسكان الغلابة.

ولا يوجد حل للأزمة الاقتصادية في مصر سوى أن يبدأ بسحب الجيش من الشوارع، وإنهاء دور الجيش في الحياة السياسية، وإعادته لدوره الطبيعي الذي يتمثل في حماية البلاد والعباد من أي عدوان خارجي، أو خطر كبير، أما الحصول على مزيد من القروض وإصدار المزيد من السندات وأذون الخزانة الحكومية، فهذا ليس سوى تأجيل للأزمة، ومحاولة لشراء مزيد من الوقت فقط، خاصة أن النظام الجديد في مصر بات يُدرك بأن صنبور المليارات التي كانت تتدفق من الخليج قد توقف بسبب انهيار أسعار النفط، وهو الانهيار الذي تسبب أصلاً بعجز في موازنات دول الخليج ذاتها، فضلاً عن أن هذه الدول لم يعد لديها من الفائض ما يكفي لتمويل مصر.

وقد اتخذت الحكومة المصرية التي يتحكم بها الجيش، خلال عام 2015، عدة قرارات اقتصادية، أكد الخبراء والمحللون الاقتصاديون أنها أضعفت من قوة المركز الاقتصادي للدولة، وهو ما جعلها دولة فاشلة تعيش على المعونات الدولية.

وكانت أول تلك القرارات  إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، القرار الذي تم الإعلان عنه خلال المؤتمر الاقتصادي الدولي بشرم الشيخ، مارس الماضي، بالتعاون مع دولة الإمارات وباستثمارات نحو 48 مليار دولار؛ حيث وصلت نتائجه بعد انتهاء 10 أشهر من الإعلان عنه إلى إسناد البناء بالعاصمة لشركات مقاولات صينية “ما زالت المفاوضات”، بعد مفاوضات فاشلة مع القطاع الخاص بالإمارات؛ حيث طلب الجانب الإماراتي تسهيلات وإجراءات تسمح بتملكه وتحكمه بكل ما يخص المشروع على أرض مصرية مرفقة بالكامل من قبل الحكومة المصرية.

ثانيًا: مشروع إنشاء المليون وحدة، والذي وصل إلى التفاوض النهائي حول بناء 13 ألف وحدة فقط مع الشركة الملزمة بالتنفيذ “أرابتك”، ومن الجدير بالذكر أن الحكومة كانت تعول على أهمية هذا المشروع الإسكاني الضخم ونجاحه، والذي باءت مفاوضات تنفيذه بالفشل.

ثالثـًا: مشروع تصدير الغاز لإسرائيل، وتقنين تصديره من قبل الشركات الخاصة؛ حيث زادت أزمة الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي بمصر، الأمر الذي أدى إلى الاعتماد على الإمدادات البترولية من الخارج، مع وقف عمل نصف المصانع بالدولة لعدم وصول الطاقة لهم، ومن ثم تراجع معدلات الصادرات لمدة 10 أشهر خلال العام.

رابعًا: مشروع المليون ونصف المليون فدان، والذي حدد مجلس الوزراء له نحو 8 مليارات جنيه كرأس مال إجمالي، ولم يتم اكتماله حتى الآن، وما زالت الحكومة تطرح المناقصات الخاصة ببدء تنفيذه على الشركات المختصة.

خامسًا: مشروع ضريبة الأرباح الرأسمالية بالبورصة، والذي أدى إلى شح السيولة وخروج العديد من المستثمرين المصريين والأجانب من السوق احتجاجًا على غموض آلية تطبيق الضريبة الجديدة والأعباء الإضافية التي تفرضها عليهم، وعليها قررت الحكومة تأجيل المشروع لمدة عامين.

سادسًا: تطبيق قرار الحد الأقصى للأجور على البنوك، دون تطبيقه على مؤسسات الدولة العليا كأجهزة القضاء والشرطة والجيش، الأمر الذي عمل على فقدان الكفاءات بالقطاع المصرفي، وترك مناصبه لغير أهل الخبرة، وانتقالهم إلى البنوك الأجنبية.

سابعًا: مشروع ربط العلاقات التجارية بين مصر وروسيا بالروبل، وهو القرار الذي تم تأجيله مؤخرًا، خاصة بعد سقوط الطائرة الروسية بمصر.

ثامنًا: مشروع التفريعة الموازية بقناة السويس، والتي منذ بدء افتتاحها واجهت إيرادات القناة تراجعًا لأول مرة، بهذا الشكل المتتالي، فضلًا عن تراجع حركة التجارة العالمية وتباطؤها وانخفاض حركة عبور السفن بالقناة، فكانت غير مدروسة وغير مفيدة خلال الوقت الراهن.

تاسعًا: قرار السحب من الاحتياطي الأجنبي لتغطية قرارات الاستيراد، على أمل دعم الدول العربية ومنحها قروضًا لمساندة الوضع الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى انكماش أرصدته رجوعًا لـ16 مليار دولار؛ حيث يغطي 3 أشهر من احتياجات الدولة فقط.

عاشرًا: تشغيل المصانع بالفحم؛ حيث صدقت وزارة البيئة على إيجابية استخدام الفحم لتشغيل المصانع، لعدم توافر الغاز الطبيعي، الأمر الذي سيحدث كارثة بيئية وإنسانية عقب توغل وانتشار الأمراض الملوثة، وهو الأمر الذي رفضته تمامًا وزيرة البيئة السابقة، الدكتورة ليلى إسكندر.

الحادي عشر: رفع قيمة الجنيه؛ حيث قام البنك المركزي مؤخرًا، برفع قيمة الجنيه أمام الدولار بنحو 20 قرشًا، الأمر الذي عمل على استقرار أسعار العملات بالمدى القصير “فقط”؛ حيث رأى الاقتصاديون أن عملية تراجع الجنيه ستأتي عاجلًا أم آجلًا بسبب زيادة قوة الدولار، متوقعين هبوط سعر الجنيه بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، حتى يحدث توازن بالأسعار.

ولذلك نجد أن الحكومة الحالية برئاسة الجنرال عبد الفتاح السيسي هي أسوأ حكومة،  قد جاءت في تاريخ الدولة المصرية الحديثة فكرًا اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا،  نظرًا للتراجع والانهيار الذي أصاب قطاع الاقتصاد، وهو ما يهدد الدولة المصرية والشعب، ويجب أولاً مراجعة كل الأمور الاقتصادية التي انهارت خلال العامين الماضيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد