كنا قد تحدثنا من قبل عن موضوع الإرهاب في مقال سابق بعنوان «الإرهاب نبات فيه سم قاتل»، وتحدثنا عن أسباب الإرهاب ووجوده. وما الأسباب التي تساعد على تكوين البؤر الإرهابية، وكيف يمكن لمنظمة إرهابية أن تستقطب جنودًا لها، وما الظروف التي تساعدها على ذلك، والحلول الواجبة على الفرد والدولة لمواجهة الإرهاب والتصدي له.

لكن هذه المرة حينما تطرقت لذلك الموضوع ثانية فرؤيتي له كانت مختلفة بعض الشيء، فالأحداث الأخيرة التي وقعت منذ فترة وجيزة لا تتعدى الثلاثة أيام حول انفجار الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وكنيسة مارجرجس بطنطا، ومن قبلها في العام السابق الكنيسة البطرسية ومسجد السلام، وما يحدث بسيناء من حرب طاحنة مع الإرهاب، وسقوط مئات من الضحايا والشهداء والجرحى والمصابين المصريين، مما جعلني أنظر للأمر من وجهة نظر مختلفة.

جعلتني أتساءل ماذا يريد الإرهاب من مصر بشكل خاص؟ هل زعزعة الأمن والاستقرار فحسب؟ أم ضرب الاقتصاد المصري؟ أم سيادة روح الاختلاف والفتنة بين فئات الشعب حتى يسهل تفكيكه؟ أم أنه يريد زعزعة قوى الحكم في مصر لصالح فصيل بعينه؟ أم أنه يقصد القضاء على فئة معينة في الشرق كله؟! أم أنه يريد ضرب السياحة على وجه الخصوص؟ ليس فقط كمحاولة لإحباط الاقتصاد المصري، وإنما أيضًا لضرب سمعة مصر بين الدول بأنها دولة ذات أخطار وغير آمنه، فتتراجع بها نسبة السياحة ويتـأثر اقتصادها، وتغرق في مواجهتها مع الإرهاب، ومن ثم تتقلص ريادتها في المنطقة؛ حيث تنشغل عن دورها الريادي في المنطقة بما تعانيه من مشكلات يغذيها الإرهاب، أم يريد الإرهاب كسر الروح المعنوية لمواجهته وإسقاط الدولة حتى تصبح مثلها كمثل الدول العربية التي استطاع الإرهاب السيطرة عليها وإسقاطها، أم ذلك كله؟ وبذلك تنصب المياه كلها في حوض واحد لصالح الإرهاب، ويكون بذلك قد ضرب جميع العصافير بحجر واحد فقط.

فالمعروف عن مصر أنها دولة ذات ريادة بين العرب، ولها مكانتها المقدرة في وسط العالم بأكمله. ولطالما حرصت مصر بدورها على مساعدة أخواتها العرب وتقديم يد العون والمساعدة، ولكن في ظل تلك المشكلات كيف ستتفرغ لذلك، أو على الأقل يصبح لديها المقدرة الكاملة على ذلك؟

فمصر عامة، والشعب المصري خاصة، معروف بأنه ذو جلد وتحمل ويقدر على الصعاب وإن تمثل الأمر في مجرد وجود أزمة اقتصادية، وارتفاع أسعار تمر بها مصر، فهذا ليس بأمر لا يستطيع المصريون الصمود أمامه، ولا يعد ذلك بالنسبة لهم أمرًا يستحيل التغلب عليه أو عبوره وإن صعب، ولكن حينما تغرق مصر في بحر من الفتنة والأزمة الاقتصادية معًا، بالإضافة إلى بث روح من الاختلاف والكراهية والفرقة بين صفوفها، هذا إلى جانب الانهماك بحل مشكلاتها وأزماتها وزعزعة روح الثقة بين الحكومة والشعب، فإن الأمر يصبح أسهل بكثير وتصبح المهمة المطلوبة أسهل بكثير.

لذلك إن كان الاتحاد قبل ذلك ضرورة لمواجهة الإرهاب، فبقاء الشعب كالبنيان المرصوص ضرورة ملحة، بحيث ألا نجعل بتلك البنيان مكانًا فارغًا للدخول بين أجزائه، فالمرحلة الراهنة هي أحلك مرحلة تمر بها مصر، وإما أن نكون فيها الأقوى، وإما أن تترك نفسها فريسة سهلة للإرهاب الأسود ليدمرها ويقسمها بكل معاني الكلمة، وأعرف أني لا أحتاج لقول ذلك، أو أن أقدم دعوة للاتحاد؛ فالجميع يشعر بالخطر المحيط، والكل يتكاتف لمواجهته مهما تكلف الأمر، وردًا على الهجمات الإرهابية قد قام الرئيس السيسي رئيس الجمهورية بإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر بعد استيفاء الإجراءات القانونية والدستورية، والجدير بالذكر أنه قد تم حذف الجزء الخاص بإمكانية اعتقال أي من الأشخاص دون إذن من النيابة، وذلك بحكم مصدر من المحكمة الدستورية العليا، وقد أضاف الرئيس أنه سوف يتم القيام بعقد مجلس قومي أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، هذا إلى جانب قيامه ببث روح المثابرة والصمود ومواجهة الإرهاب بضراوة؛ حيث إن الحرب ضد الإرهاب طويلة وليست بالسهلة، وحث الإعلاميون على الاهتمام بالخطاب الإعلامي والحرص على مصداقيته، وأيضًا الاهتمام بالخطاب الديني بشكل عام، وقد صرح الرئيس بضرورة محاسبة الدول الممولة والداعمة للإرهاب.

فمما لا شك فيه أن الأيام القادمة تعد بمثابة امتحان حقيقي للمصريين، وامتحان شديد الصعوبة، والخطأ به سيكلفنا الكثير حكومة وشعبًا، مجتمعًا وفردًا، لذلك ليس هناك مكان للخطأ، والخيار الوحيد هو مجابهة الإرهاب والصمود والصلابة والتحدي في مواجهته، وعدم السماح بالمساس بالروح المعنوية من قبل من يريد إحباطها وكسرها بل تحطيمها.

وإن ما حدث من تفجيرات، سواء للمساجد أو الكنائس، لن ولم يسبب فتنة بين المصريين، فالجميع نسيج واحد، ومن أصيب أو استشهد سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًا هو إنسان، وإن ما يحدث هو عدو للإنسانية بشتى لغاتها وأشكالها وألوانها. فيسعدني أن أبلغ الجميع أن هذا السلاح أصبح باليًا ولا يؤتي ثماره؛ فالمسيحي والمسلم في مصر كل منهما يعلم أنه كيان واحد، ألا وهو الكيان المصري، وأن الدين لله والوطن للجميع.

وأبشر الفئات الإرهابية أن أسلحتكم ضدنا بالية، فهذا الشعب ليس بجديد عليه مواجهة المحن ولا التصدي لها، فقد سمعت سيدة مسيحية من الضحايا تقول: «إن هددتم الكنائس سنصلي في المساجد وإن هددتم المساجد سيصلي كلانا في الشارع ولن تمنعوا المسلمين والمسيحيين من صلاتهم».

فلن يستطيع أحد أن يهدم هذا الشعب سواء بفتنة، أو وشاية، أو بغيرها، فالشعب المصري ليس كأي شعب آخر، شعب قد واجه صعابًا كثيرة ومحنًا أكثر، والعالم كله يشهد بذلك، ولكنه بقي وأكمل مسيرة النجاح ولم يستسلم وفي عز اللحظات التي ينتظر البعض خضوعه ووقوعه يخرج من الأزمات ويحقق نجاحًا غير مشهود، ويتخطى الصعاب ويزيلها، فالمصري عامة، والجندي المصري خاصة، يؤمن وبقوة أنه إن قدر الإله مماته فإنه لن يموت مستسلمًا ولا خاضعًا ولا متنحيًا عن دوره وواجبه تجاه بلده وأهله، ولا تعز عليه حياته في سبيل حياة وطنه وسلامته.

لذا أدعو كل مصري أن يكون إيجابيًا بعمله وقوله واستعداده للمواجهة، وأن يكمل المسيرة التي خطاها من قبل في الحروب المجيدة التي يشهدها له التاريخ، فالحرب ليست فقط حرب طائرات ودبابات وصواريخ، بل حرب فكرية ونفسية ومعلوماتية وإرهابية أيضًا، وألا يكون يومًا سببًا في خفض الروح المعنوية لغيره في مواجهة تلك التحديات ولو بكلمة؛ فالكلمة مؤثرة. وإن كانت كذلك، فيجب أن نجعلها تؤثر بالإيجاب لمواجهة تلك التحديات وليس بالسلب، وألا يساعد في نشر الأفعال الإرهابية حتى لا نساعد الإرهابيين أنفسهم في تحقيق هدفهم، ألا وهو نشر الذعر والخوف لكسر وتحطيم الروح المعنوية في مواجهته، بل التصميم على مواجهته، وإن كنا نواجه أزمات أو صعابًا وآلامًا لما يحدث، فلا شيء يدوم إلى الأبد، ولكن إن كان لدينا العزم والقدرة على تغييره، إن رغبنا نحن في تحديه ومواجهته وتغييره فمصر ومنذ أقدم العصور لم يسبق أن استسلمت لعدو، مستعمرًا كان أم إرهابيًا، لذلك فإن مصر كانت وما زالت تتحدى أي خطر، أو أي إرهاب بسواعد أبنائها، وهي قادرة على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد