هل ما تقدمه من أفعال وما تبذله من جهد هو نتاج لفكرة نبيلة تؤمن بها أو تعيش من أجلها، أم أن طغيان الذاتية وأطماعك الدنيوية هي المحرك الأساسي لك؟

منذ أكثر من مائة عام تقريبًا وفي مدينة بازل السويسرية بالتحديد قرر شخص يدعي “هرتزل” أن يشرع في تنفيذ أهم الأفكار التي يؤمن بها ويعيش من أجلها، وهي تحقيق وعد الإله لإبراهيم – على حسب معتقدهم وما تنص عليه توراتهم- بإنشاء وطن موحد لليهود يمتد من النهر إلى النهر – الفرات والنيل- تحدوا كل الصعاب وتخطوا كل الحواجز المنيعة سواء بالمكر أو الدهاء أو حتى باستخدام القوة، ووضعوا حلمهم وفكرتهم نصب أعينهم، الإيمان بالفكرة شجعهم على ترك الأماكن التي يعيشون فيها والانتقال إلى مكان مليء بالحروب والقتال، التمسك بالحلم جعلهم يغيرون لغتهم المختلفة من أجل أن يتعلموا لغة موحدة – العبرية- تكون اللغة الرسمية للبلاد، مصلحة الوطن دفعتهم إلى استثمار أموالهم من أجل بناء وطنهم والوصول إلى دولتهم المنشودة، حتى صنف جيشهم مؤخرًا من أفضل عشرة جيوش في العالم، كان السر العظيم وراء ذلك أن (إسرائيل فكرة يؤمنون بها).

مصر سبعة آلاف سنة حضارة، أقدم شعوب الأرض، أصبحت في السنوات الأخيرة أهم ما تشتهر به أنها إحدى الدول التي تجاور إسرائيل، فهي دولة من دول العالم الثالث لأن لا يوجد رابع أو خامس! جاء ذلك نتيجة طبيعية لتجريدنا للهدف والمعني الأسمى الذي وجدت من أجله الأشياء، وتغليب مصلحتنا وأطماعنا الشخصية على حساب تقدم وازدهار وطننا.

العمل العام أو العمل التطوعي من أعظم الطرق التي يمكن أن تسلكها في حياتك، فكثير هم المنتمون إلى مؤسسات تهدف إلى تنمية وتقدم المجتمع، قليل من يفهمون ذلك الهدف بالتحديد، حتى أصبح الانتماء لتلك المؤسسات – سواء كانت خيرية أو سياسية أو ثقافية- أشبه بالموضة التي لا بد من اتباعها خلال مشوار حياتك، فلا يهم ما إذا كنت تؤمن بهدف هذه المؤسسة بقدر ما يهم الجملة التي ستوضع في الـ(سي. في.) الخاص بك، حتى أصبحت هذه الأماكن وسيلة جيدة وأرض خصبة للتحقيق أغراضنا، ابتعدنا عن الفكرة الأساسية التي وجدت من أجلها هذه المؤسسات، وانشغلنا بفكرة مختلفة تمامًا، فباتت أغلب هذه المؤسسات لا جدوى من وجودها.

بديهيًّا أن يكون التعليم من أجل “تحصيل العلم” تلك هي الفكرة الأسمى الذي وجد من أجلها، لكننا أصبحنا نتعلم فقط من أجل ورقة الامتحان! فبمجرد الانتهاء من أداء الامتحان تتبخر المعلومات، حتى أصبح معظمنا حاصل على الكثير من الشهادات لكنه ما زال جاهلًا !

فماذا تنتظر من منظومة تعليمية وضعت من أجل التجارة وكسب المال، لا من أجل الارتقاء بعقول المواطنين، فالمدرس كل ما يشغله هو كم سيحصل من المال عن طريق الدروس، ودكتور الجامعة كل ما يهمه كم سيجني من الأرباح عن طريق بيع كتابه، وعلى هذا الدرب تسير أيضًا المنظومة الطبية، فقط عليك أن تزور إحدى المستشفيات الحكومية في أي قرية وتقارن بينها وبين أي مستشفى خاص !

الصراع السياسي أو بمعنى أدق الجشع السياسي، فالساحة الآن مليئة بالأحزاب السياسة المتناحرة التي لا يشغلها مطلقًا ما إذا كان صراعهم يصب في مصلحة الوطن أم لا، لكن كل ما يشغلهم مقدار الفوائد التي التي ستعود عليهم، وكم المكاسب التي سيحصلون عليها، فكثير من النخب والنشطاء السياسين الآن الشهرة هي هدفهم الأسمى والمال هو غايتهم العليا، أم الوطن فإلى الهاوية إذا لم يكن سيساعدهم على تحقيق ذلك، شعارات عظيمة ومصطلحات جذابة ومبادئ ظاهرية مطلوبة من أجل كسب الأصوات والوصول إلى المناصب، فالسياسة لم توجد من أجل ذلك، بل وضعت من أجل التنافس على مصلحة الوطن، ولكننا كالعادة انشغلنا وركزنا على الفكرة الأخرى.

على الجميع أن يتيقن تمامًا أننا سنظل في ذيل الأمم، وسنبقى في تخلف تام، لأننا جردنا كل شيء من معناه الأساسي، وحكّمنا أطماعنا وجشعنا، وأصبحت مصر بالنسبة لنا فكرة لا نؤمن بأي شيء فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد