تظل الانتخابات إحدى أهم وسائل التغيير السلمي للسلطة، وهو أمر متفق عليه في أنظمة الحكم والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في كثير من دول العالم التي باتت الديمقراطية أهم أركانها وتتصف بها تلك الدول.

لكن الانتخابات التي نتحدث عنها هنا هي تلك المتعارف عليها في الديمقراطيات الراسخة والتي توصف بأنها عملية مركبة تشمل العديد من الإجراءات والمراحل والعمليات الفرعية، أو كما نشبهها بالمثلث أحد أضلاعه الإطار القانوني والثاني العملية الإجرائية والثالث إعلان النتيجة وتمكين الفائز من تولي مقاليد السلطة، ومثلما يختل المثلث إذا فقد ضلعًا أو خرج عن دوره كذلك العملية الانتخابية تختل وتخرج عن هيئتها ووظيفتها وشفافيتها إذا اختل أحد أضلاعها السابقين.

وبالنظر إلى الحالة المصرية التي أصبح الجميع مقتنعًا بأنها لا دولة مؤسسات ولا دولة قانون ولا دولة تسمح مؤسسات القوة (السلاح) فيها بتداول سلمي للسلطة، وربما كانت المرة الوحيدة التي أُجبرت تلك المؤسسات على التراجع كانت نتيجة لثورة شعبية مهدت لانتخابات حقيقية وما أن أعادت تلك المؤسسات ترتيب أوراقها من جديد وتخلصت من الصدمة حتى استعادت الحكم مرة أخرى عبر انقلاب عسكري.

في عقلية العسكريين عدم قناعة بالإدارة المدنية لشئون الحكم وخصوصًا الذين ينقلبون عسكريًا منهم للإطاحة بالحكم المدني، فهم لا يحترمون انتخابات ولا نتائجها وإلا لماذا يسعون لتغييرها بقوة السلاح ثم يتصدرون للسلطة والحكم مباشرة.

وعليه فإن الانقلاب العسكري في مصر لن يسمح بتداول السلطة ولا بانتخابات حقيقية تزيح قائده من سدة الحكم لأسباب مفهومة ومعروفة، أهمها أنهم انقلبوا طلبًا للحكم فلن يتركوه بانتخابات، وأنهم يوقنون أن أول يوم لهم خارج السلطة هو أول يوم لمحاكمتهم على جرائمهم ومذابحهم وفسادهم، وأيضًا لرفضهم الانصياع لمحاسبة المؤسسات المدنية المنتخبة، فضلًا عن فقدهم للسطوة والنفوذ والثروة حال ترك السلطة وغيرها من الأسباب.

وطالما أن هناك سياسيين ونشطاء اختاروا السير في طريق الانتخابات التي رسمها الانقلاب ومؤسساته – وهم على علم بأحداثها ونتائجها طبقًا لما حدث في ما سمي بانتخابات رئاسية في العام 2014 وإلا فليتهموا عقولهم – لأجل كسب مساحات وخلق حالة حراك يمكن البناء عليها مستقبلًا أو لإحراج النظام بحسب زعمهم فلن يكون هذا الأمر بالاحتكام إلى أدوات النظام الانتخابية، وكم مهدت الانتخابات لقيام ديكتاتوريات وتثبيت أركانها.

ربما يكون التعامل الأمثل في مثل هذه الحالة لإحراج النظام وتصدير أزمة له هو التراجع عن خوض الانتخابات المزمعة وتوحد كل قوى رفض الانقلاب والمعارضة السياسية الفاعلة والمطالبة بإدارة دولية للانتخابات الرئاسية المصرية، خصوصًا أن مصر تشهد أزمة في الحكم وتداوله منذ سنوات كما أن الأزمات الديمقراطية تشمل الانقلابات العسكرية والانتخابات المزورة والانتقاص من الحقوق بحسب «إعلان وارسو 2000 – مجتمع الديمقراطيات» الموقعة عليه مصر.

فيحق المطالبة بهذا الأمر والتسويق له، حيث سبق للمنظمات الدولية إجراء انتخابات في دول تريد أن تخرج من الحكم الديكتاتوري ولمعالجة أوضاع ما بعد الانقلابات العسكرية.

والإدارة الدولية التي نعنيها هنا تختلف عن متابعة الانتخابات أو مراقبتها، فالمتابعة يكتفي فيها المتابع برصد العملية الإجرائية وتقديم تقرير عنها بعد انتهائها لجهة المتابعة، أما المراقبة فبالإضافة لدور المتابع تسمح  للمراقب بتقديم الإرشاد والتدخل بالتوجيه إن لزم الأمر حال حدوث خروقات وفقًا لما تسمح به سلطات الدولة وبالتنسيق معها، أما الإدارة الدولية للانتخابات عبر المؤسسات الدولية والمستقلة العاملة في مجال الانتخابات فتكون بتولي تلك الجهات إدارة العملية الانتخابية بكامل مراحلها حسب مثلث العملية الانتخابية.

حيث تقوم المؤسسات العاملة في المجال الانتخابي بالمساعدة في وضع قانون انتخابي توافقي وعادل، وتولي عمليتي الاقتراع والفرز ثم إعلان النتيجة مرورًا بوضع القوات التي تحمي العملية الانتخابية تحت إمرتها بالكامل.

فالحالة المصرية لا يصلح لها متابعة أو مراقبة فقط للانتخابات، ولا يمكن ترك السلطة تجري انتخابات تضع هي قانونها المعيب ثم تدير الانتخابات بلجنة تعينها هي (الهيئة الوطنية للانتخابات يعينها السيسي) وتؤمنها قوات الجيش والشرطة الأذرع المسلحة للسلطة، كل المراحل على هوى السلطة وبطريقتها الفجة للوصول للنتيجة التي تريدها.

بالأخير لا يمكن التعويل على انتخابات ديمقراطية تجريها سلطة غير ديمقراطية كالسلطة الحالية في مصر مع حالة كهذه، ولا يمكن انتظار رحيل نظام انقلابي عبر انتخابات يجريها هو، فإما إدارة دولية للانتخابات أو لا انتخابات من الأساس.

 

اقرأ أيضًا للكاتب: أنت بتقول انتخابات!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات