(1)

في كتابه العظيم – التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور – يعلمنا الدكتور مصطفى حجازي أن الحكومات الديكتاتورية فى هذه المجتمعات تقوم بإنشاء مشاريع وهمية يطلق عليها مشروعات قومية لإلهاء الشعوب وخلق حس وشعور وطني مزيف.

فى هذه المجتمعات، حتى وإن الغالبية العظمى فيها لا تجد قوت يومها إلا أنها تغار كل الغيرة على مشاعر وطنية فارغة. مشروع قناة السويس الجديدة مثال على هذه المشاريع الوهمية حتى أن الرئيس اعترف بأن الهدف من المشروع كان رفع الروح المعنوية للشعب! أربعة مليارات دولار أو يزيد ضاعت فى مشروع لم يعد على المواطن البسيط بأي فائدة تذكر. تجد المواطن البسيط آمن بهذا التحدي العملاق وراح يدفع من مدخراته القليلة لشراء شهادات استثمار لا قيمة لها.

كل هذا بدافع الحس الوطني والتحدي وقهر العدو الوهمي الذي خلقه النظام. كل شيء لابد أن يتم طلاؤه بلون وطني حتى أن معظم إعلانات المنتجات مثل الحديد والأسمنت والجبن أصبحت تذاع بصحبة أغاني وطنية وكلمات من نوعية (التحدي) (العبور) (المستقبل) للإيحاء بقومية المنتجات، وأن من الواجب الوطني شراءها!

يشير تقرير البنك الدولي لسنة 2015 إلي هذه المشاريع شارحًا: أن المشاريع التي تقوم بها الحكومة لا توفر فرص عمل حقيقية وأن هذه المشاريع تصب فى مصالح النخبة القريبة من السلطة. إذًا المشاريع تخدم السلطة وأصدقائها فقط، وعلى الشعب الصبر والصمود والتحدي والتبرع حتى يتم العبور!

(2)

لقد سمعنا مؤخرًا عن مشروع إنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب؟ وكيف لنا ألا نسمع بهذا المشروع وجميع الصحف خرجت علينا بنفس المانشيت عن هذا المشروع، وفى المساء جميع برامج التوك شو تتحدث أيضًا عن ميلاد هذا المشروع الضخم! وطبعًا كما نلاحظ لابد للاسم أن يحمل كلمة (وطنية) حتى يعلم الجميع أنه مشروع وطني قومي إلخ. سوف يتم إنشاء هذه الأكاديمية بمدينة ٦ أكتوبر وتتكون من ٦ طوابق على مساحة ١٠ آلاف متر مربع. أصدر الرئيس قرار جمهوري بهذا، وأوضح أن الهدف من الأكاديمية هو تحقيق متطلبات التنمية البشرية للكوادر الشبابية بكافة قطاعات الدولة، ويتم التعاون مع عدد من الهيئات والمعاهد والمؤسسات الدولية!

هل فهمت أي شيء مما سبق؟ ما هي قيمة إنشاء أكاديمية كهذه وتبذير هذه الأراضي والأموال؟ ما هي الفائدة التي ستعود على المواطن المطحون؟ ألم يسمع الرئيس – قبل اصدار هذا القرار الجمهوري – بمركز إعداد القادة لصاحبة حسني مبارك وأولاده؟ ماذا جنينا من مركز إعداد القادة الذي يقوم الآن بإعطاء دورات تدريبية فاشلة لا تنمي مهارة واحدة. ثم ما هي هذه الهيئات والمعاهد والمؤسسات الدولية التي سيتم التعاون معها؟ كل شيء غامض وهمي خال من الأرقام والحساب والمحاسبة والثواب والعقاب.

قالوا إن إنشاء هذه الأكاديمية – التي لا قيمة لها – جاء بناء على توصيات مؤتمر الشباب – الذي لا قيمة له. لا توجد دولة في العالم تقوم بعقد مؤتمر خاص بهموم الشباب في منتجع فندقي يحضره رجال متوسط أعمارهم فوق السبعين عام وقليل من الشباب الديكور لزوم جمال الصور واللقاءات التلفزيونية. كل هذا الهراء لا علاقة له بالشباب الحقيقي. لماذا لا يقام مؤتمر الشباب القادم في بولاق الدكرور أو جزيرة الوراق – قبل بيعها – أو غيط العنب أو في أية قرية من قرى الصعيد؟

 إذا كان الهدف من هذه الأكاديمية هو هدف تعليمي أكاديمي فما هي فائدة المعاهد والجامعات فى الدولة؟ لماذا لا يتم إنفاق هذه الأموال على تطوير الجامعات والمناهج التعليمية حتى يكتسب الطالب مهارات حقيقية تجعل له قيمة في سوق العمل العالمي؟ ثم من هم الخبراء والعلماء الذين أشاروا على الرئيس بجدوى هذه الأكاديمية؟ السؤال الأصح، هل يستشير الرئيس أي أحد فى كل هذه المشاريع الضبابية؟ أم أنه مؤمن بأنه وحده فقط من يعلم كل شيء ونحن أغبياء. لماذا يعامل الشعب بمبدأ أنت لا تعرف أي شيء. أنا أعرف مصلحتك أكثر منك! متي يتم مواجهة المشاكل الحقيقية وحلها دون رقص واحتفالات ومؤتمرات؟ لماذا لا يجيد هذا الرجل سوى بناء السجون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد