كتاب: جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر المعاصرة.

المؤلف: المستشار/ طارق البشري.

الناشر: دار نهضة مصر للنشر، القاهرة، 2015.

عدد الصفحات: 230.

يتلازم مع كل تشكّل لجماعة أو هيئةٍ، قيام فئة من بينهم على إدارة شؤون الباقين، دون إخلال بحق أي طرف من أطراف ذلك التشكّل، أو انحياز له على حساب الباقين، فقضية إدارة شؤون الحكم قديمة قِدَم تشكّل الجماعات السياسية، أو القبلية، أو غيرهما، وطبيعة الإدارة تختلف وفقًا لطبيعة الجماعة المشَكَّلة، وأيضًا حسب الزمان الذي تشكلّت فيه، وبالنظر لاعتبار الزمان نجد أن التأْريخ للدولة المصرية الحديثة ارتبط بوصول محمد علي للحكم مطلع القرن التاسع عشر، وقد قام بعملية تحديث أراد بها جيشه، فاستفادت منها باقي قطاعات الدولة، ومنها القطاع الإداري.

هذا الكتاب يناقش نشأة الجهاز الإداري لمصر المعاصرة، ومؤلفه فقيه قانوني ومؤرخ لمصر الحديثة، فاتفق اهتمامه من الناحيتين مع موضوع الكتاب الذي ينقسم لمقدمة وسبعة فصول، يؤسس فيها المؤلف لمفهوم التنظيم الديمقراطي، ثم نشأة الجهاز الإداري، بدءًا من محمد علي حتى مبارك، وختم الحديث عن الإدارة بفصل مرجعيّ يضبط فيه دور الدولة في مكافحة الفساد داخلها، ثم ختم كتابه بالحديث عن نظام الوقف.

يذكر البشري في مقدمته أن الاحتياج لجهاز الإدارة لازم لإقامة شؤون المعيشة، وبما أن مصر ليس فيها انقسامات قبلية، أو طائفية تستدعي قيام الجماعة الفرعية بإدارة شؤونها، فالجهاز الإداري بها يتحمل كل الأعمال لعموم الشعب، لكن يبدو التوتر في العلاقة بين جهاز الدولة، والقوى والجماعات الشعبية المتعددة بسبب نظم اتخاذ القرار، وطرق تنفيذها من قِبل نخب ثقافية ومِهْنيَّة في عزلة عن جماهير الناس، ولا يوجد لديها التأهيل الكافي، أو أساليبٌ نظامية للتبادل الصحي للمعلومات، وهذه العزلة مرتبطة بالمسألة الثقافية، فهناك ثقافة موروثة (1) في الريف والحضر، وفي المستويات الاجتماعية غير الميسورة، وثقافة أخرى وافدة تنتشر بين النخب الاجتماعية المتميزة اقتصاديًّا وتعليميًّا، وهي تنتشر في مجالات السيطرة والنفوذ، ويشيع لديهم مفهوم يربط بين التطور، والمدنيّة، وبين الفكر الوافد، مما ولّد لديهم إحساسًا بأن الجمهرة الشعبية تتصف بالتخلف والجمود، وبرر هذا الإحساس لهم النزوع للاستبداد والشعور بالقوامة والوصاية، فأصبح الشعب مفهومًا ذهنيًّا وافتراضيًّا مجردًا عن الواقع، فتستدعي تلك النخب الوجوب لحاكميته -أي الشعب- واستمداد الشرعية منه، وفي نفس الوقت ترفض نتائج الانتخابات الحرة، والنزيهة.

وهناك عامل إضافي لأسباب التوتر، وهو خاص بطبيعة ظروف عمل الجهاز الإداري، فهو في ثلاثة أرباع القرن الأخير من عمره عاش في ظل حالة الطوارئ، إلا فترة قليلة وكانت متقطعة، وفي إطار الطوارئ تشكّلت تجاربه ومهاراته، فثقافته الإدارية لا تسمح بقدرته على العمل مع المواطنين، إلا في ظل ما تنتجه تلك الحالة من سلطات طليقة من القيود، سواء في الشق السياسي، أو التشريعات الإدارية الداعمة له.

إن مفهوم التنظيم الديمقراطي يحتاج لبيانِ اتساعه، فيشمل كل التشكيلات والتنظيمات التي تتكون في المجتمع لإدارة الشؤون العامة لجماعة معينة، وأهمها وأخطرها شأنًا هو «الدولة»، والحديث هنا من حيث توافر الخصائص السياسية التنظيمية، وهي الجماعية في اتخاذ القرار، فلا ينفرد به أحد، والتعددية بحيث تتعدد الهيئات الممارسة للشؤون العامة للجماعة، والتوازن بين الهيئات، فلا تُستوعب إرادة ذاتية في أخرى، ولا تقوم علاقة تبعية بين من يشكّلون القرار مع الانتباه لأن المقصود هنا ليس التوازن الصفري المؤدي للجمود؛ بل التوازن الحركي الذي يجعل القوى المتقابلة «متقاربة ومتغيرة»، والتمثيلية التي ترِد بالاختيار الانتخابي من القواعد أو ترِد بالنيابة أو التفويض، وأخيرًا التداول أي التغيير والتبديل في تولي المناصب العامة ذات القرار، وكل ذلك في هيئات الدولة، أو في تشكيلات المجتمع، ومن جهة أخرى فإن الديمقراطية ليست مجرد تنظيم المؤسسات الدستورية، أو تشكيل أجهزة الإدارة وفقًا للنظم الحديثة، ولكنها أيضًا تنظيم المجتمع كله على هذا الطراز، بكل هيئاته وتكوينات الانتماءات الفرعية لجماعاته المشكِّلة له.

ما حدث في أصول مشاكلنا الخاصة بالتنظيم السياسي الاجتماعي لبلدنا أن الدولة أخذت بالتآكل بنظمها التقليدية تحت ضربات الغزو الاستعماري سياسيًّا وعسكريًّا، ونشأت إدارات الدولة الحديثة هنا بأساليب التنظيم الأوروبي الحديث، لكن ظهوره هناك كان متوازنًا مع تطور مجتمعاتها واقتصادها وحركاتها السياسية والاجتماعية وأنشطة جماعاتها الفرعية، أمّا في بلادنا كانت النظم الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية في المجال الأهلي تجري في غالبها حسب الأنماط التقليدية القديمة وإدارات شخصية، ولم يكن لمثل هذه النظم أن توازن قوة الدولة المركزية الحديثة، ويظهر ذلك واضحًا إذا قارنّا بين القضاء المحدّث والتقليدي، والتعليم الحديث والتقليدي، والجمعيات الخيرية والأوقاف، ومع التحولات الاجتماعية العديدة ظهرت تنظيمات حديثة كالنقابات والأحزاب، لكن الدولة المركزية الحديثة طغت على تكوينات المجتمع الأهلي قديمها وحديثها بمَضَاءِ ولايتها على الجماعة المحكومة بقوة السلاح، وما تملكه من مال الجباية، وإنفاقه بما يدعم نفوذها، ومن جهة ثانية بالتقبل الفكري العام، وقابلية المحكومين للانصياع لها، وهو العنصر الذي منحها شرعية استخدام القوة وشرعية الجباية.

ولما قامت حكومات التحرر الوطني بَنت هياكلها في الدولة مما تراكم من قبل فورثت الأجهزة السابقة، وفي الوقت ذاته لم تجد ثمة ضرورة لإقامة التنظيمات الشعبية التي كانت من قبل تؤدي وظيفة التحرر الوطني؛ لأن الدولة ورثت هذه الوظيفة، ومن ثَم خلا الجو لجهاز إدارة الدولة من أي تشكيل أهلي شعبي يوازن سلطتها، أو يحد من إمكاناتها، هذا من حيث الإطار التنظيري أو السردي العام لواقع جهاز الدولة المصرية، أما على وجه التفصيل فقد مر الجهاز بثلاث مراحل أساسية: الأولى منذ نشأته «الحديثة» حتى يوليو 1952، ثم الحقبة الناصرية، وأخيرًا عهديْ السادات ومبارك، وما بعد مبارك لم يتشكل في صورته النهائية التي تحتاج لسنوات تبدو منه الملامح والتي يمكن منها الحكم عليه.

أولاً: الجهاز الإداري منذ نشأته وحتى يوليو 1952:

أُرسيت أسس التنظيم الحديث على مدار ثلاثة عقود من حكم محمد علي، وتبلورت فيما صدر عام 1837 باسم «السياستنامة» أي النظام الأساسي، وأجرى محمد علي تقسيمًا لأنشطة الإدارة العامة، وجعلها سبعة دواوين تمارس في غالب أنشطتها ما صرنا نسميه اليوم بالوظائف السيادية للدولة، وتوزيع جوانب السلطة -كما بالتقسيمات- من النواحي الفنية والتخصصية، وكذلك الجغرافية كان رشيدًا وعلميًّا وفاعلاً، كما أنه يبلور سلطة مركزية يصعب تحديها من داخل الإدارة بما تجمّع لديها من خيوط شبكات التلقي والدفع.

في عهد الخديوي إسماعيل تم إنشاء أول مجلس للنُّظّار (2)، وهو المجلس الذي بدأ يمتد إشرافه على ما كان يُعد من قبل نشاطًا أهليًا لا تراقبه الدولة إلا في إطار إشراف الحسبة، ولكن إذا كان توغل جهاز محمد علي في الشؤون الأهلية والاجتماعية له ما يبرره لما أُلقي على مشروعه من مهام بناء الجيش والتعليم الحديث، فإنه بعد انكساره في 1840، وحصر نظامه في مصر، لم يعد هذا التوغل مناسبًا في ضخامته، ومع ذلك زاد نزوعه إلى الهيمنة والحلول محل أي نشاط جمْعي أهلي، وصارت الوزارات -مع تغيّر مسمياتها واختصاصاتها- فيما بعده وحتى يوليو 1952 على أنواع: وزارات السيادة مثل الداخلية، وخدمات مثل التعليم، وإنتاج مثل الصناعة، وأخيرًا وزارات لمحاصرة العمل الأهلي كالأوقاف، والشؤون الاجتماعية، والثقافة للنشاط الفكري.

ثانيًا: تنظيم جهاز الدولة في الحقبة الناصرية:

تجدر الإشارة إلى أن التنظيم السياسي العسكري لا يكون قويًّا بذاته، ولكنه قوي بموقعه داخل الدولة، والتنظيم الذي يتولى السلطة نتيجة ثورة يقوم بها، يُكْسِب الدولة سماته التنظيمية.

خلال الفترة ما بين 1952: 1970 لم يوجد مجلس نيابي لمدد مجموعها تسع سنين، والمجالس التي وجدت ثلاثة أحدها كان معيّنًا، واستقراء الوثائق الدستورية ومتابعة التشكيلات الخاصة بمؤسسات الحكم يكشفان أن الجماعة المصرية في خلال هذه الفترة لم تعرف توزيعًا بين السلطات، بل اندمجت السلطة التشريعية في التنفيذية، ويكشفان كذلك مركزيةً قابضةً في بناء الأجهزة والهيئات لتتركز بيد رئيس الجمهورية، وأخيرًا لا نرى فيما أنشأ نظام 1952 من تنظيمات سياسية أنها كانت أحزابًا، ولا تنظيمات سياسية، فالدولة كانت تقوم بكل الوظائف بما فيها وظيفة الحشد الجماهيري لدعم قراراتها، وأصبح جهازها يمتلك السلطة كاملة، وكل ما عداه ملحق به تابع له.

ثالثًا: أسلوب الانفراد في عهديْ السادات ومبارك:

إن لكل نظام ساد في مرحلة تاريخية معينة جذورًا في مرحلة سابقة عليه، كما أن له أثرًا ممتدًا في المرحلة التالية بعد انتهائه، والديمقراطية بناء، والبناء لا يمكن تشييده على أرض رخوة، بل لا بد من قاعدة سياسية اجتماعية تحتمل هذا البناء، وتكفل له الثبات، وكان نظام 23 يوليو قد أقام شرعيته السياسية باعتباره المعبّر عن حركة التحرر الوطني، ثم كانت هزيمة 1967 هي ما كسرت المشروع السياسي، ثم جاء النصر العسكري ليدعم نظام حكم ما بعد عبد الناصر وسياساته الجديدة، ولكن المفارقة أن التنظيم السياسي الذي جرى به تحقيق كل مضامين السياسات الوطنية والاجتماعية في 1952، هو ذات التنظيم الذي قام بتصفية هذه السياسات منذ سنة 1975، ونفّذ السياسات المضادة، بنفس الممارسات التنظيمية للحكم، وبذات الأسلوب الإجرائي والمؤسسي لأجهزة القيادة والتنفيذ، وكان الوعد أن يتغير نظام الحكم الفردي لكنه بقي، وكان الوعد أن تبقى سياسات الحكم السابق كالاستقلال الوطني، والسياسات الاقتصادية، والاجتماعية لكنها تغيرت.

ما يترتب على ذلك أهمية تبيين دور الدولة في مكافحة الفساد، ولا يكون ذلك إلا بانتفاء شخْصَنَة التشكيلات المؤسَّسَة، ونفيها مرتبط بتوافر الشروط الخمسة السابق ذكرها وهي: الجماعية في اتخاذ القرار، وتعدد الهيئات، وتوازنها، والتمثيلية، والتداول، ثم هناك أمران آخران لا يتعلقان بالبناء المؤسسي، ولكن بممارسة العمل المؤسسي بالنسبة للشأن العام، أولهما: إن العمل العام بالنسبة إلى من يمارسه في السلطة، عمل من أعمال الولاية العامة، والولاية هي قدرة الإنسان على أن يكون قوله وقراره نافذيْن على غيره، فهي سلطة عامة تتعلق بالشأن العام للجماعة تعبيرًا عن إرادتها وتحقيقًا لمصلحتها، وأي إخلال بذلك تنهدر به السلطة العامة، وتغدو السلطة الممارَسة إما من أعمال الغصب إن وردت على حق من حقوق الإنسان، أو النهب إن وردت على ماله.

ثانيهما: نحن نلحظ أن ممارسة الشأن العام إنما تجري بأعمال إدارية تصدرها الجهات المختصة بها، وهي إما تشريعات وإما قرارات إدارية، والتشريعات أيًّا كانت الجهات التي أصدرتها وأيًّا كان مستواها التنظيمي تجمعها صفة أساسية، وهي أنها تتضمن أحكامًا عامة ومجردة، فلا تتعلق بأشخاص بذواتهم، ولا بحالات بعينها، ثم هي تتعلق بشأن عام لا مسألة فردية، فإذا انهدرت الصفتان صار التشريع ممثِّلا لما يسمى بالانحراف في ممارسة السلطة التشريعية، ومن جهة ثانية، فإن القرار الإداري ينبغي أن تكون «غايته» تحقيق المصلحة العامة، فإذا ثبت غير ذلك، كان القرار معيبًا ويفيد إبطاله، ويلزم متخذ القرار التعويض من ماله الخاص إن ترتب عليه ضرر.

وأول ما يُفترض أن تنهض به مؤسسات الدولة لضمان عمومية الأداء العام، وتخليصه من شوائب النوازع الخاصة، قيام مجلس نيابي مستقل عن الحكومة، يتشكل بالانتخاب الدوري المتجدد بحُريّة ونزاهة، وفي إطار من الحريات العامة التي تمكّن الناخبين من التجمع في أحزاب وجمعيات سياسية مستقلة عن الدولة، وقادرة على التجمع والتحريك الشعبيَّيْن، ويكون للمجلس قدرة على إصدار القوانين الملزمة للحكومة بمراعاة الشأن العام، وإقرار الميزانية السنوية العامة للدولة، وهي أهم سلطات المجلس، ولها سلطة مكملة تنشأ مستقلة عن الحكومة يعين رئيسَها المجلسُ النيابيُّ ذاته، ويسمى «الجهاز المركزي للمحاسبات» لتتبع أموال الدولة، وتقديم التقارير للمجلس النيابي.

وثمة رقابة أخرى ترِد على نشاط أجهزة الحكومة ومؤسساتها من الهيئات القضائية باعتبارها جهاز حكم يمكن للأفراد أن يقاضوها، وأن يطلبوا إلغاء ما تصدره من قرارات تمسهم وتضر بهم.

إننا إذا أردنا أن نلخص الوضع الأساسي لبناء الدولة، فيمكن القول إن جهاز الحكم يتضمن أعظم قدر اجتماعي من المال والسلاح، ويقوم بذلك الاستبدادُ لا محالة، إلا أن توجد أجهزة في الحكم لا تحوز مالاً ولا سلاحًا وتكون هي المسيطرة على من يحوز المال والسلاح، وهي أجهزة حارسة لشرعية استخدام المال والسلاح، هذه السيطرة تتطلب قوة المجتمع ليمنع الجنوح نحو الاستبداد، ومن أهم أدوات قوته وجود المجتمع الأهلي المستقل ماديًّا عن الدولة، وأهم أشكال الاستقلال نظام الوقف، فهو عمود المجتمع إزاء توحش الحاكم وتغوله على السلطات، وإذا انهارت قوة المجتمع استبدَّتْ السلطة.

والوقف هو حبس لِعَيْنٍ من الأعيان -أي لأصل مالي أو لرأس مال- عن أن تكون محلاً للتعامل، وصرفُ ريعها على أغراض محددة مبيَّنة في حجة الوقف، وقد قامت الأوقاف بتمويل ما نسميه الآن قطاع الخدمات مثل: التعليم والصحة وإنشاء وإدارة المرافق المحلية وإعانة المحتاجين، مما يفيد تقرير نوع من الضمان الاجتماعي، فالتعليم والثقافة والتوارث الفكري مولتهم الأوقاف، وأنتج هذا المورد المستقل قدرًا مهمًا من الاستقلال المؤسسي لمؤسسات التعليم، وحافظت المؤسسات على نمط تعليم مستقر ومنتظم من المواد المدروسة بعيدًا عن الأهواء السياسية وتغيراتها، ومن جهة أخرى تولّد لدى الجماعات الفرعية قدرًا من الاستقلال النسبي، والتعبير عن الإرادة المحلية في إدارة الشؤون الذاتية لهذه الوحدة، مما حدَّ من الجهد البيروقراطي للدولة المركزية، وأحدث نوعًا من التوازن.

احتاج مشروع محمد علي للسيطرة على مصادر التمويل، ولكنه لم يقْضِ على نظام الوقف، وظل الوقف مستقلاً نسبيًّا حتى مع الاحتلال الإنجليزي، وفي 1946، صدر قانون لتعديل أحكام الوقف بتجويز الرجوع فيه بعد أن كان وقفًا لازمًا، وجعل الوقف الأهلي على طبقتين فقط، أو مدة ستين سنة، ثم ينفك الوقف بعدها، وعقب يوليو 1952، تمت تصفية نظام الوقف «الإسلامي» تمامًا على مدار سنوات تلك الفترة، واستثنى القانون رقم 264 لسنة 1960 أوقاف الأقباط من أيلولة النظر فيها إلى وزارة الأوقاف، وأنشأ لإدارتها أوقاف الأقباط الأرثوذكس.

هذا الضمور الذي أصاب نظام الوقف بوصفه من مؤسسات المجتمع المدني، قد جاء في سياق من ضمور مؤسسات المجتمع المدني كافة، لحساب دعم سلطة الدولة المركزية، وإنعاشه من بعد لن يكون إلا في إطار من الإنعاش العام لهيئات المجتمع المدني ومؤسساته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1: يعبّر المؤلف بالثقافة الموروثة عن الثقافة الدينية بالمجتمع، وبالثقافة الوافدة عن العلمانية، ويبين أن استخدامه لتلك المصطلحات لكونها أقل استقطابًا. انظر كتاب: التجدد الحضاري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.

2: مجلس النُّظّار هو ما يسمى الآن بمجلس الوزراء، ولفظ الوزارة كان يقتصر على تشكيلات الدولة الرسمية في إسطنبول، وكانت مصر ما تزال ولايةً تابعة لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد