في حين ترتفع أرباح الشركات مستخدمة المصعد، تلهث أجور العاملين وراءها على الدرج .. في أحسن الأحوال. بهذه الكلمات وصف مؤلف: كتاب الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها. العولمة الاقتصادية في عصرنا الحالي، والتي كانت تختلف قطعًا عن العولمة وقت أزمة الكساد العالمي الكبير (1929- 1939) في أوجه كثيرة، إلا في وجه واحد وهو تدمير اقتصادات الدول الضعيفة، ليصبح تعبير عولمة الفقر هو التوصيف الحقيقي لنموذج العولمة المطبق، سواء تحت الاحتلال العسكري كما كانت مصر وقت الكساد الكبير أو في عصرنا الحالي حيث اختلفت أساليب الهيمنة والتبعية.

جاء انهيار بورصة الأوراق المالية في نيويورك في خريف 1929 في وقت كان فيه الاقتصاد المصري متأزمًا من الأساس، فقد كان اقتصادًا أحاديًا تخصصيًا يقوم على زراعة القطن وتصديره خاما لمصانع الغزل والنسيج في بريطانيا، وقد عمل الاحتلال البريطاني على إنشاء السكك الحديدية والتوسع في شبكة الترع لخدمة أغراض الري، ولترسيخ سياسة التخصص التي رهنت الوضع الاقتصادي المصري بمبيعات محصول القطن.

وقد شهدت صادرات مصر من القطن ارتفاعًا كبيرًا أثناء الحرب الأهلية الأمريكية التي تسببت في تراجع واردات القطن الأمريكي إلى بريطانيا، فرأينا إرتفاع صادرات مصر من القطن من 5 مليون جنيه عام 1861 إلى 22 مليون جنيه عام 1865؛ مما أدى إلى تدافع شديد من بيوت المال الأوروبية للإستثمار في سوق القطن المصري ورهن وشراء الأراضي، الأمر الذي أدى إلى ربط الاقتصاد الزراعي بالسوق العالمي، و يذكر أستاذ التاريخ الأمريكي ديفيد لاندز أنه من عام 1857 حتى 1861 دخل البلاد حوالي 30000 أجنبي كل عام، وبدا كما لو أن مصر تحولت إلى كاليفورنيا جديدة تجذب إليها الفارين والباحثين عن الذهب.

ويرى بعض المتخصصين أن مقدمات الأزمة الاقتصادية في مصر كانت موجودة قبل حدوث الكساد الكبير نتيجة لسياسة التخصص، وأن الأزمة الاقتصادية لم تكن انعكاسًا مباشرًا للكساد الكبير، وإن كان الكساد قد زاد من وطأة الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد المصري.

وكان من أهم آثار الكساد صعوبة تسويق القطن بعد ندرة الطلب عليه، حتى بعد انخفاض سعره، فانخفضت صادرات القطن من 53.8 مليون جنيه عام 1929 إلى 32.9 مليون جنيه في العام التالي، ولجأت الحكومة المصرية إلى أسلوب المبادلة لتصريف المحصول، فاتفقت مع بنك درسدنر الألماني على توريد 12 ألف بالة من القطن المصري مقابل كمية مماثلة من الأسمدة الكيميائية، وتذكر جريدة السياسة وقتها، وهي من الجرائد المعارضة لإسماعيل صدقي أن روسيا عرضت مبادلة القطن بالخشب و الفحم والبترول والسكر، لكن صدقي المعروف بولائه لبريطانيا رفض الاقتراح حتي لا يغضب الإنجليز، غير أن فكرة المبادلة كانت من المسكنات، فلجأت الحكومة إلى التدخل في سوق القطن وشرائه من المنتجين حتى بلغت مشترياتها 3 مليون قنطار ليصل المخزون إلى 3.5 مليون قنطار وهو ما كاد يبلغ نصف المخزون العالمي في تلك الفترة، ثم جاء خروج بريطانيا على قاعدة الذهب مفرجًا لأزمة القطن ولو بشكل محدود، فقد انخفضت قيمة الجنيه الإسترليني بحوالي 30%، وانخفض معه الجنيه المصري بنفس النسبة، فارتفعت أسعار القطن بمقدار 20% بالعملة المصرية مسببة تحسنًا بطيئًا ومستمرًا في مبيعاته.

ولما كان القطن عصب الحياة الاقتصادية، فقد تفرعت من مشكلة هبوط أسعاره مشاكل أخرى، مثل أوضاع المزارعين الذين أجروا الأراضي من الملاك بأسعار مرتفعة قبل حدوث الأزمة، فلما انهارت أسعار القطن، عجزوا عن دفع الإيجار، كذلك فقد استحكمت أزمة الديون العقارية في ظل الكساد الكبير وصار ثلث الثروة العقارية المصرية تقريبًا مهددًا بانتقال ملكيته إلى البنوك العقارية والمرابين الأجانب، كما كانت الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية متردية أثناء الأزمة وبسببها، وكانت البلاد قد شهدت ثلاثة انقلابات دستورية بعد دستور 1923 جاءت بوزارات الأقلية التي أججت الشعور الوطني بولائها للقصر والإنجليز، وتسببت في اضطرابات سياسية واكبت الأزمة الاقتصادية، إن لم تكن قد عمقتها.

وجاءت محاولة الحكومة للتخفيف من حدة الأزمة ببعض الإجراءات النافعة مثل فرض التعريفة الجمركية عام 1930 التي أسست للتوجه المصري نحو الصناعة وحماية الصناعات الوليدة، بعد أن تنبهت الحكومة لخطورة الاقتصاد الأحادي المعتمد على القطن، وحاولت تنويع الهيكل الإقتصادي الإنتاجي، وإعتبار التصنيع رافد مهم من روافد الإنتاج، كما ألغت الحكومة عوائد الدخولية – ضريبة كانت تفرض على التجارة الداخلية في أسواق المدن والقرى – كذلك كان إنشاء بنك التسليف الزراعي خطوة هامة لإنقاذ أصحاب الملكيات الزراعية، وخاصة صغارهم من المرابين الأجانب، فلم يكن غريبًا أن يقاومه الاحتلال البريطاني ويحاول عرقلة إنشائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات