يُعد انهيار القطاع السياحي في مصر أبرز النتائج السلبية لاندلاع ثورة يناير عام 2011، فبعد سنوات عديدة من تدفق سياحي بلغ ذروته في العام السابق على الثورة، ووصلت فيه أعداد السائحين إلى 14 مليون سائح، وكانت كل الدراسات تؤكد على اقتراب مصر من تحقيق الرقم الذي يتناسب مع إمكاناتها السياحية وقدرتها الاستيعابية وهو رقم 30 مليون سائح، ولكن جاءت الثورة ـوالحق أقول، ليست الثورة في حد ذاتها، ولكن توابعهاـ لتقضي على هذا الحلم.

مرت مصر خلال الست سنوات الماضية بأحداث جسام كفيلة بأن تختفي معها دولاً، ولكن لأنها مصر، فهي ما زالت صامدة وتحرز بعض النجاحات، والتي وإن كانت قليلة، ولكنها تظل نجاحات في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة ومحيط إقليمي مأزوم. لا شك أن أي متابع للشأن المصري لن يختلف على وجود تحسن كبير وملموس ومؤثر في الوضع الأمني والاستقرار السياسي بشكل عام، وبالتالي يبرز السؤال الأهم، لماذا لم تعد السياحة المصرية إلى سابق عهدها قبل الثورة؟

تعددت الاجتهادات والتفسيرات في الإجابة عن هذا السؤال، ولم تخرج معظمها عن أن السبب الأهم هو هشاشة الوضع الأمني وتطرق البعض الآخر إلى سوء الخدمة المقدمة. من واقع خبرتي التي تمتد لأكثر من عشرين عامًا بالعمل في هذا المجال، يمكنني التأكيد على أن الوضع الأمني في مصر وصل إلى مرحلة جيدة جدًا، تكاد تماثل ما كان قائمًا قبل الثورة، وانحسرت الأعمال الإرهابية في شريط ضيق في شمال سيناء، وتؤكد كل الأخبار الواردة على اقتراب الجيش المصري من السيطرة الكاملة، والمطلقة على الوضع هناك. هذا التحسن لا يلغي وجود بعض العمليات من حين لآخر في أماكن أخرى، ولكن من منا لا يتذكر الحوادث الشبيهة والمماثلة التي وقعت في قلب مدريد وباريس وبروكسل، ولندن مؤخرًا وأماكن أخرى من العالم في الفترات القليلة الماضية. من منا قد نسي وجود منظمة إرهابية عتيدة وهي منظمة إيتا الانفصالية في إقليم الباسك بشمال إسبانيا، والتي لم تمنع عملياتها العديدة والمؤثرة أن تصبح إسبانيا هي المقصد السياحي الأول في العالم؟ إن التحجج بهشاشة الوضع الأمني ليس له موضع هنا ونحن بصدد البحث عن الأسباب الحقيقية وراء تعثر عودة السياحة المصرية.

السبب الآخر الذي يتحدث عنه البعض، هو سوء الخدمة. بداية يجب أن أعترف كأحد أبناء هذا القطاع بهجرة الكثير من كفاءاته إلى بلاد أخرى، وتحديدًا دبي بحثًا عن فرصة عمل جيدة تتناسب وحجم الخبرات التي تم اكتسابها في مصر، والبعض الآخر ترك العمل بالسياحة وقام بتغيير النشاط بشكل جذري ولكن بالداخل، لأنه لم يكن في مقدوره انتظار عودتها. لا شك أن هذه الكفاءات التي ذهبت للخارج، وحتى التي بقيت بالداخل ولكنها غيرت النشاط، قد تركت أثرًا ملحوظًا في جودة المنتج المقدم، ولكن من واقع خبرتي وتجربتي الشخصية، ما تزال الخدمة المقدمة لا بأس بها وتنال رضاء السائحين بنسبة كبيرة. وبالتالي أرفض هذا الطرح هو الآخر كسبب لتعثر عودة السياحة إلى مصر.

يقينًا أقول لكم إن السبب الأهم في عدم قدرة مصر إلى الآن على استعادة التدفق السياحي لمعدلات ما قبل يناير هو الصورة الذهنية الخاطئة عن بلد الأهرامات. إن ارتباط اسم مصر في نشرات الأخبار بكل ما هو سلبي ودموي طيلة خمس أو ست سنوات كان له بالغ الأثر في تكوين صورة ذهنية مخيفة لدى كل من يريد زيارتها، وبالتالي يكون القرار الأسلم هو تأجيل الزيارة إلى أجل غير مسمى، ولكن من الواضح للجميع أن مصر بوضعها الاقتصادي المأزوم لن تحتمل هذا التأجيل كثيرًا.

إن أبسط تعريف للصورة الذهنية image هو الصورة الفعلية التي تتكون في أذهان الناس بشأن الأشخاص الآخرين والمؤسسات والدول، وتتكون هذه الصورة من خلال التجربة المباشرة وغير المباشرة وقد تكون صادقة أو غير حقيقة وتعتمد على الأدلة والوثائق قدر اعتمادها على الإشاعات والأقوال غير الموثقة، ولكنها في النهاية تمثل واقعًا صادقًا لمن يحملونها في رؤوسهم. إن الصورة الذهنية هي العامل الأهم في تكوين سمعة المؤسسة أو الدولة بشكل تراكمي، وعليه فإما تقوم الدولة بالإشراف على إدارة صورتها الذهنية لدى الخارج بشكل احترافي، وإما أن يتولى الخصوم بناءها وإداراتها في اتجاه مغاير، يمكنني التدليل على هذا الأمر بفيلم تسجيلي عن قضية التحرش في مصر، وكان له أبلغ الأثر في ترسيخ صورة ذهنية في منتهى السلبية عن مصر، حيث خرج كل من شاهده بانطباع أن الرجال المصريين ليس لهم هم في حياتهم سوى اغتصاب النساء في شوارع القاهرة. الفيلم مليء بالأكاذيب والمغالطات، ويفتقر إلى المهنية بشكل واضح، ولم يستند إلى أي مصدر موثق في ادعاءاته، ولكن ليس هذا ما يهمني، فهذا أمر متوقع من منافسين غير شرفاء، ولكن الفداحة تكمن في عدم قيام الدولة المصرية بالرد من خلال دعاية موضوعية مدروسة لا تُخفي وجود الأمر ولكن توضح أنه ليس ظاهرة، ولا يخرج عن النسب العالمية الموجودة في كل العالم، ومنها الدولة التي عرضت الفيلم، ولكن مصر كالعادة لم تفعل .

للصورة الذهنية في حالات الدول صور عديدة منها :

1- الصورة الحالية: وهي صورة الدولة في ذهن الخارج.

2- الصورة المرغوبة: وهي الصورة التي تود الدولة أن تكون في ذهن الخارج.

3- الصورة المثلى: هي أفضل صورة يمكن لدولة ما أن ترسمها عن نفسها.

توصل العلم في العقود الماضية إلى حقيقة خطيرة جدًا، وهي أنه لا توجد علاقة طردية بين سمعة المنتج وجودته، وذلك لتحكم طبقة تفكير غير واعية «اللاشعور» في سلوكنا. ونتيجة لهذا الكشف تحول التفكير العالمي في أمور الدعاية والتسويق إلى الاهتمام بالصورة الذهنية.

إن قدرًا بسيطـًا من النقد الذاتي الموضوعي في مصر سيصل بنا إلى نتيجة واحدة، وهي أننا لم نبذل أي مجهود يُذكر في تحسين الصورة الذهنية لمصر بالخارج، واكتفينا بالمشاركة في البورصات السياحية من مدريد لبرلين، والتي رغم أهميتها لا تحرك ساكنـًا في تحسين الصورة الذهنية لمصر في عقول من يرغب في زيارتها.

إن ما سبق لا ينفي وجود بعض المحاولات مؤخرًا لعلاج هذا الأمر، ومنها زيارة لاعب برشلونة ميسي، والنجم العالمي ويل سميث، والاستثمار الجيد لزيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي مثل تناولها العشاء مع الرئيس المصري أمام أهرامات الجيزة، ومشاهدتها لعرض الصوت والضوء دعاية حقيقة وصادقة ومؤثرة في ذهن المواطن الألماني أفضل بكثير جدًا من مشاركة مصر في بورصة برلين وظهر أثرها بشكل ملحوظ في زيادة مطردة للسائحين الألمان الآن بمصر. إن صورة لنجم عالمي أو حتى مجموعة سائحين في شوارع القاهرة وسط الناس العادية أفضل بكثير من دعاية تدفع من أجلها أموالاً باهظة وتركز فقط على إظهار ما تملكه مصر من كنوز، ولكن بدون المبالغة في مسائل التأمين مثلما حدث مع ليونيل ميسي؛ حيث تم إخلاء منطقة الأهرامات له بالكامل، وهذا أمر تم استغلاله بشكل سيئ من قبل المنافسين الذين ركزوا على أننا غير قادرين على تأمين الزيارة سوى بمنع بقية السائحين والمصريين، وعليه فأنا لا أرى عوائق كبيرة أمام استضافة الدولة المصرية لبعض النجوم العالميين واستغلال زيارتهم بشكل احترافي في الدعاية التي يجب أن تُركز على أن الوضع الأمني مستقر، وإلا لما أتى هؤلاء النجوم لزيارة مصر.

أمر آخر في منتهى البساطة وهي خلق حدث عالمي كبير من تلك النوعية التي تجذب السائحين وخاصة من عشاق مصر، على سبيل المثال، لماذا لا نعود لما اعتادت عليه مصر على فترات في عهد الرئيس مبارك من إقامة أوبرا عايدة أمام سفح الأهرامات، أو في معبد الدير البحري، أو أمام معبد أبي سمبل؛ حيث سهولة التأمين على أن يستمر الحدث طيلة أسبوع، مع منح حقوق الدعاية لبعض القنوات العالمية، واستضافة بعض النجوم على نفقة الدولة المصرية لحضورها.

أمر آخر فشلنا فيه وهو عدم الاستغلال الجيد لكم الاكتشافات الأثرية التي باتت مثل الخبز اليومي من كثرتها، وأبرزها هو اكتشاف تمثال الملك بسماتيك الضخم بالمطرية. للدلالة على إحباطي من تعامل الدولة المصرية مع هذا الحدث، فقط ُأُذكِركُم بما قام به عالم المصريات الأهم والأشهر عالميًا وهو الدكتور زاهي حواس في عام 2006 عندما كان في موقع المسئولية، عندما تم نقل تمثال الملك رمسيس الثاني من الميدان الذي يحمل اسمه حتى الأن في احتفالية كبيرة نقلتها جميع وسائل الإعلام العالمية، وخرج القاهريون ليلتها لمشاهدة عملية النقل، في هذه الأيام كنت بصحبة مجموعة سياحية إسبانية وعندما أبلغتهم بالخبر، قرروا أنهم أيضًا لن يناموا من أجل مشاهدة عملية النقل الضخمة التي أشرفت عليها شركة المقاولين العرب.

مؤخرًا تم الإعلان عن زيارة بابا الفاتيكان فرانسيس لمصر، وهي فرصة أخرى ثمينة أتمنى ألا تمر دون أن تستغلها الدولة المصرية في تغيير جذري لصورتها الذهنية المتدهورة في الفترة الأخيرة. وأخيرًا لن أردد المقولة التي فقدت تأثيرها من كثرة تردديها، وهي أن نفكر خارج الصندوق، بل أدعو بقوة لكسر الصندوق من الأساس إذا كنا فعلاً جادين في استعادة الحركة السياحية بالشكل الذي يستحقه هذا البلد الكبير والعظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد