الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

علم فرعون بمقدم عدو سيقضي عليه وعلى ملكه، فحشد كل قواه وفعل كل ما يمكن حتى يؤمّن ملكه بما في ذلك القتل الجماعي، وبالرغم من أن كل ذلك كان قبل ولادة هذا العدو، أراد الله أن يولد ذلك العدو بل وينشأ ويكبر في قصر فرعون ليواجهه في قوته وبأسه ثم فيما بعد يقضي عليه، وها هو الجنرال عبد الفتاح السيسي كان يسعى للقضاء على كل أسباب الحراك الشعبي ضده من خلال قانون التظاهر وزيادة الوجود الأمني والعسكري في الميادين والساحات التي اعتاد الناس خروج التظاهرات منها، والأبرز هو اعتقال كل من يمكن أن يهدد عرشه في المستقبل.

وعلى الرغم من كل هذا يشاء الله أن يخرج الناس ضده في مواكب مهيبة تطالب بزوال عرشه ونهاية ملكه، ومن دعا للخروج ليس رجل حكيم أو سياسي صاحب قدرات خطابية عالية مع تاريخ ناصع، بل هو رجل من داخل منظومة المحسوبية والفساد التي كان السيسي يريد أن يؤسس عليها ملكًا طويل الأجل.

جادلني صديقي عند ظهور الممثل وصاحب شركة المقاولات محمد علي ومقاطع الفيديو الكثيرة ورأى أن ما يحدث هو مجرد صراخ سيمر مع مرور الوقت كما مر الكثير قبله، ومشكلتي هنا ليست في أن هذا الضجيج لم يمر كما مر الذي قبله بل كانت عزل الظاهرة عن محيطها الحقيقي، فالرجل عمل مع النظام وكان جزءًا من ممارساته الفاسدة لسنوات، وإذا به يخرج ليفضح كل ما كان يقوم به السيسي ونظامه بغض النظر عن اللغة التي كان يستخدمها للتعبير عن ذلك.

أما رد الفعل الذي جاء من السيسي نفسه تجاه ما نشره محمد علي هو الذي جعلني أفكر في أن هذا الرجل ليس مجرد مستبد طاغية مر على تاريخ مصر مثل كثير ممن سبقه، فقد كان من الممكن أن يتجاهل السيسي كل ما زعمه الرجل أو يكذب على لسان موظفيه بالقول أنه لم يبن قصورًا أو يضيع أموال الدولة في مؤتمر صحفي أو حتى إعلامه، بل كان رده هو التصريح بصحة ما زعمه محمد علي وأنه سيستمر في إهدار المال العام وهو في ذلك يصف نفسه بأنه الشريف الأمين، وعلى الشعب في الفترة المقبلة أن يحرص فقط على ألا تتشوه صورة جيشها مهما كان.

ويتواصل هذا المشهد الخرافي بسلسلة دعم من ممثلين ومغنين من داخل وخارج مصر يعلنون تأييدهم للسيسي الذي اعترف بأنه يهدر المال العام ليس في برنامج تلفزيوني أو تصريح لصحيفة ما، بل في مؤتمر حشد فيه شخصيات من شتى المجالات وحضرته وسائل الإعلام وتم بثه في معظم القنوات.

حبنا للحرية أمر فطري وبالتالي يكون كذلك كرهنا للاستبداد والمستبدين، والمستبدون في منطقتنا تفرد كل واحد منهم ببضعة صفات ميزته عن الآخر، ولكن السيسي جمع أسوأ ما في كل منهم جميعًا، استباحة الدماء والأعراض وشره للمال تسقط معه كل قيمة إنسانية خلقها الله ونفاق وتعظيم للذات، هذا مع فقر معرفي وخطاب سطحي متهافت جعل منه أضحوكة للجميع.

حرصًا منه على البقاء في السلطة قرر أن يكون موظف الكيان الصهيوني في المنطقة لينفذ كل ما تريده الأمر في همة لم يحلم بها الصهاينة حتى مع من سبقه من الحكام الخونة، وفي الطريق ليكون جزءًا من مشروع قذر للقضاء على القضية الفلسطينية بشكل نهائي فيما يُعرف إعلاميًّا بصفقة القرن.

ظل السيسي طوال السنوات الست الماضية يقدم الأسباب التي تحّرك أي شعب في الدنيا ضد حاكمه، فقد قام بالانقلاب المشؤوم في الثالث من يوليو عام 2013 وعزل أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث واختطفه وأخفاه قسريًّا، ليظهر للناس بعد وقت طويل وراء القضبان يواجه اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم ارتكب أحد أبشع المذابح في حق الشعب المصري بحجة القضاء على ما يسميه (جماعة الإخوان الإرهابية) والتي يقدّر البعض أن عدد ضحاياها بلغ الآلاف.

وفي عام 2016 عقد السيسي اتفاقية حدودية مع السعودية والتي بموجبها تم التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير من مصر للسعودية، ولم يمر هذا الاتفاق بسلام، حيث قضت المحاكم المحلية ببطلان هذا القرار وأن الجزيرتين مصريتان، وعلى الرغم من اتساع دائرة الاحتجاج إلا أن النظام الذي أسسه السيسي والقاعدة الجماهيرية التي تؤيده كانت أكثر خبلاً من أن تنصت لصوت العقل.

هذا كله بالإضافة لانتخابات 2014 و2018 وما كان فيهما من مشاهد هزلية مع ممارسات قمعية في حق كل رأي سياسي معارض أو حتى ليس بمؤيد، تدعم ذلك آلة إعلامية ضخمة يتم إنفاق ملايين الدولارات عليها تزيّف الحقائق وتدلّس على المشاهد، والآن وفي ظل الحراك الشعبي تواصل هذه الآلة عملها وتقاوم تمدد هذا الحراك الثوري ضد السيسي ونظامه، وعلى ما يبدو أن القنوات إلى الآن لم تتفق على ما يجب أن يكون هو رواية ما يحدث في مصر: هل هو تدليس إعلامي من قناة الجزيرة أم هو تحرك «إخواني» ضد الدولة وضد «المصريين»، هل هو تزييف فيديوهات أم هو شعب غاضب يجب إقناعه أن الثورة ليست في صالحهم؟

لا أحد يمكنه الجزم بما ستؤول إليه الأحداث اعتمادًا على التنظير السياسي بل لا أحد كان بإمكانه أن يتكهن بتحرك الناس ضد السيسي ونظامه بعد أن فعل ما فعل، ولكن أود انتهاز الفرصة لأتساءل: لماذا لم تكن أي من محطات فترة حكم السيسي التي أوردناها أو كلها جميعًا سببًا كافيًا لخروج الناس إلى الشارع والمطالبة بتنحي الرئيس.

دعونا نقول أن الحراك الثوري ربما تكون له إرهاصات، ولكن ليس لأحد أن يعلم وقت ومكان هذا الحراك، والثورة نفسها قد تبدأ في وقت لا يتصوره أحد وبمقدمات لا يمكن لأحد أن يتخيل أنها ستقود لثورة شعبية تطيح النظام.

السبب الآخر وربما هو الأهم هو موقف الكثير من الناس لجماعة الإخوان المسلمين أو تأثرهم بالخطاب الإعلامي تجاه الجماعة، وأنها جماعة محظورة وإرهابية، فذاك هو أهم أركان 30 يونيو وبسببه كانت فرحة السواد الأعظم بانقلاب السيسي على الدكتور مرسي وعدم اكتراث الناس بالدماء التي سالت على أرض ميداني رابعة والنهضة، ومع طول الوقت كانت الأحداث المفصلية تميز بين الناس، فإما أن يختار الشخص ما بين الحفاظ على ما لديه من عقل وتفكير وبين شخص مخبول سيذهب وراء السيسي أينما ذهب، والأول لن يتسنى له فعل ذلك إلا بالهجرة إلى أي بلد أجنبي.

لا أحد بحاجة للتذكير بخطورة الخوض في معترك أيدولوجي في توقيت كهذا والخطورة ليست في الخوض في هذه المرحلة، بل في المرحلة اللاحقة أي المرحلة التأسيسية مثل مرحلة ما بعد سقوط مبارك التي بدأت فيها معركة هوية الدولة التي انشغل فيها معظم الناس عن الطرف الذي كان يحضر للعودة إلى السلطة بقوة.

هذا المعترك هو الذي أدى لموقف الناس الحالي من جماعة الإخوان ووصفها بما يجوز لهم، وكانت رغبة التفوق عليهم أقوى من إنكار سفك الدماء أو الانقلاب على الديمقراطية أو غيرها الكثير من الأزمات فكانوا تقريبًا لا يمانعون في كل هذا طالما أن هذا سيضر الإخوان كجماعة، ولو استمر هذا الخطاب فستعود المشكلة، وجماعة الإخوان المسلمين معنية بهذا الأمر فلو لم تقوم بمراجعة شاملة وتحدد دورها في الفترة المقبلة في المشهد المصري بما يلائم طبيعة الجماعة والدور الحقيقي الذي يجب أن تقوم به فستظل صورتهم أمام الشعب كما قدمها إعلام النظام وذلك له تبعاته.

وعلى العموم المسألة ليست عن جماعة الإخوان ذاتها بقدر ما هي فكرة يجب الأخذ بها مفادها أن حسن تقييم شخص ما أو جماعة ما هو الطريق الذي يقود إلى حسن ترتيب الأولويات، وبالتالي معرفة العدو الحقيقي لمجابهته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد