هدوء عجيب لافت، بالرغم من عِظم الخطب والهول، مات أكثر من 150 مصري غرقًا في البحر هربًا من موت بر مصر، فتعامل الأغلب مع المصيبة بفتور مُفزع، فيما أعلن الجيش نجاحه في إحباط هذه المحاولة للهجرة غير الشرعية، مصر التي ما برح الجيش فيها يمص دماء شعبها، ثم يبيع لهم حليب الأطفال في عبوات، ويسحق أحلام شبابها، ثم يُهنئهم يوم أن يفلتوا ويفوزوا بالأولمبياد، ويقتل ويعتقل ويُخفي ويُعذّب عشرات الألوف، ثم يُمنيهم «مُفشّخًا» فاهه بالابتسامات، أما معارك التاريخ «حطين» و«عين جالوت»، فسرقها الجيش من قادتها وضمّها لأجهزة «الكفتة» و«مصانع المكرونة والحلويات»!

إن مصر اليوم، وهي تخطو بسرعة لافتة نحو هاوية سحيقة لا نعرف لها نهاية، تُريد من شعبها أن يواجه مصيره، وأن يتعامل مع قدره، بعد أن انفض الثوار واكتفوا بالترقب والانتظار، وانسحبت الجماعات والأحزاب والحركات تأكل نفسها وتمزّقها النار، ولا وجود نهائي مطلقًا لأي عقل أو رشاد في مؤسسات البغي والاستكبار، فثلة من الحمقى الأغبياء يحكمون ويرون كل شيء في طريقه للانفجار، ومستمرون مُصممون وكأن مهمتهم هي تفجير الأوضاع واستجلاب الخراب والضياع، لذا لم يعد هناك مُتسعًا أمام الشعب إلا أن يواجه مصيره بيده.

ربما الشباب يستلهي نفسه ويُخدّرها بأن يوهمها أنه أصبح يهتم بشأنه الخاص، ولم يعد له اهتمامات عامة، ولكن ثورة خرجت من سويداء القلوب ورحم محنة ومعاناة الشعب طوال عقود لا يُمكن أن تمر مرور الكرام، كما أن الجماعات والأحزاب والقوى الإسلامية البائسة غير الجديرة بمهام اللحظة، ولا واجباتها لم يعُد يُنتظر منها إلا أن تُعلن انسحابها؛ لتصبح الجماهير الغفيرة في مواجهة قدرية محتومة مع قوى الشر والإجرام، كما أن التعويل على أي أطراف داخلية أو إقليمية أو دولية أصبح وهمًا وتضييعًا للوقت.

ففداحة اللحظة التي نعيشها لا يُقبل أن تكون أداة لتمرير أوهامًا جديدة، بدءًا من وهم مصر دولة بلا هوية، أو التنمّر والعداء للهوية والشريعة الإسلامية، أو غسل سمعة وجرائم أي شخص أو فصيل أو تيار، أو الرضا بحكم عسكري عبر بديل «لبلحة»، أو وضع أي قيد أو شرط على حرية الشعب وحقه في اختيار من يحكمه، أو التفريط في القصاص أو المكتسبات أو الحقوق وفي القلب منها تيران وصنافير وماء النيل، أو تهديد وحدة الشعب المصري مسلميه ومسيحيه بناءً على أوهام كنسية أو تطلعات مخابراتية.

فمصر لم تعد وطنًا حيًا يعيش فينا، بل وطنًا ميتًا يسير على ساقين، ولكن هناك فرق شاسع بين خطة لدفن مصر وخطة للإحياء والإنعاش، فالنظام وفي القلب منه الجيش وقوى إقليمية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، والقوى العالمية بقيادة أمريكا يُريدون دفن مصر، ولا طرف في الدولة قادر على أن يقول لا، والجميع يعزف لحن النهاية ومصر تُجر إلى حتفها، ومطلوب منا أن نرضى ونصبر ونقبل ونُطبّل ونُزمّر ونسكت ونسقُط مع كل شيء يهوى ويتداعى، ليبقى الفريق السيسي ومن معه على تلال الخراب.

والحل أن يواجه الشعب مصيره، ويتدبر أمره فماذا هو فاعل مع وطن ميت؟ هل سيسير في جنازته صامتًا كما حدث مع غرقي مركب رشيد الذين لم يجدوا من يصرخ لهم! أم سيفيق ويهرع لنجدته وإفاقته مُستخدمًا كل عزم وقوة لديه، فلم يبق معه أحد! هم يُمنونه فقط الآن بانتفاضه للغلابة في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، أي بعد استطلاع هلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، فلنر ماذا هم فاعلون؟ ولكن ككل مرة لن يفعلوا شيئًا، ولم يعد بدًا إلا أن يأخذ الشعب ثورته بقوة من يد الجماعات والأحزاب والحركات والتحالفات والمبادرات والفصائل؛ ويُسلمها لهدير عشرات الملايين من الشعب الحر الذين عليهم أن يكسحوا من خالفهم أو خذلهم.

فندائي لكم يا شعب مصر، أن أقيموا سلامًا دافئًا مع الله، واتحدوا واعتصموا بالثورة، ولتكن ثورة جديدة بمُنطلقات وشعارات وأهداف تُناسب قهر الواقع وعُمق الأزمة، لا تنتظروا «أطقم» النخب القديمة التي أذاقت ثورتكم الويلات، ولا رضا الخارج أو من بالداخل من المؤسسات، واعلموا أن قوتكم هائلة، أكبر مما تتصورون، وأعظم مما تتخيلون بإذن الله، تتصاغر أمامها أعتى المؤسسات والنظم والدول والمؤامرات، وقد جاء اليوم لتقولوا كلمتكم وتخطوا أنتم المسارات، ويقولون متى هو؟ قل: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد