“الإهمال هو الصدأ الذي يُصيب الروح، والذي يُدمّر ويُتلف من البداية للنهاية، كل عزيمة وطيدة.”

الكاتب الإنجليزي أوين فيلثام

 

لا تَدع أحد معارفك أو أقاربك أو حتى أصدقائك يَخدعك القول بأن الفارق الزمني بين مصرنا المحروسة وأي دولة متقدّمة شأن الولايات المتحدة الأمريكية أو دول أوروبا الغربية أو اليابان أو حتى كوريا الجنوبية يتمثّل فقط في بضع ساعات تقطعها الطائرة التي تقلّك إلى تلك البلاد، وأن فروقًا مناخية أو بيولوجية هي فقط التي ستعتريك وتقضّ مضجعك فور أن تحطّ قدماك مطارات هذه الدول.

ولكن، في حقيقة الأمر، أن تلك الطائرة التي تستقلّها ليست سوى آلة زمنية تختصر ما لا يقل عن بضعة سنوات ضوئية (السنة الضوئية تبلغ 9.46 تريليون كيلومتر)، تأخذك إلى غياهب المستقبل البعيد؛ حيث ستجد بشرًا دون البشر الذين سبق وأن ودّعتهم على أعتاب مطار القاهرة الدولي، ومعاملة غير المعاملة التي اعتدت طوال حياتك أن تعاملها مع المسؤولين المصريين، واحترامًا قلما عوملت به وأنت مصري بين المصريين في بلدك الأم مصر، وغيرها من المعارضات والتضادات الثنائية التي يُمكن أن يحتويها كتاب مُجلّد من أكثر من ألف صفحة!

وبطبيعة الحال، هناك دائمًا استثناءات عن القاعدة، ولكن يتبقّى الأمر السائد أو النسب الأكبر من السلوكيات والمعاملات التي بُني هذا المقال عليها.

ولإعطاء مثال يُعضّد وجهة النظر القائمة على الثنائيات المتضادة التي سبق وأشرت إليها، لا يمكن إغفال وقائع مقتل ثلاثة تلاميذ صغار في ثلاثة أماكن مختلفة من بلدنا المحروسة، تحديدًا في المطرية وأطفيح ومطروح، في مدارسهم التي يُفترض أنها مكانًا لتلقي التعليم من أجل مستقبل أفضل لهؤلاء التلاميذ، ولكن ما لم يعِه أولياء أمورهم جيدًا، أن هذه المدارس ما هي إلا سبب للقاء أطفالهم بارئهم في السماوات العلى!

التلاميذ المصريون الثلاثة، أحدهم مات جراء سقوط جزء من زجاج الفصل على رقبته، والثاني توفي نتيجة سقوط بوابة مدرسته عليه، والثالث دهسته سيارة التغذية الخاصة بتوريد الوجبات أسفل عجلاتها بفناء المدرسة!

الأمر الغريب والعجيب ليس في تلك الحوادث نفسها، فجميعنا نسمع بين الحين والآخر عن سقوط أطفال أو تلاميذ قتلى على يد أقرانهم المسلّحين بالمدارس الأمريكية، أي أن القتل الخطأ وارد ويَحدث حتى في أكثر البلدان تقدّمًا وتطوّرًا، لذا لا داعي للتأفف ومهاجمة المسؤولين المصريين لمجرد أن زجاج أحد الفصول المدرسية لم يَكن مثبّتًا جيدًا فوقع على رقبة طالب صغير فكان الأولى إنشاء تلك الفصول دون نوافذ من الأساس، أو لأن بوابة أحد المدارس كان بحاجة إلى صيانة دورية من وزارة التعليم تلافيًا لوقوعها على أحد الطلاب وقتله على الفور، فكان الأفضل أيضًا عدم وجود بوابة للمدرسة حتى لا يتسبّب مديرها في إحراج المسؤولين بالوزارة.

 

وليس هناك داعٍ أيضًا على الإطلاق من حبس مدير أحد المدارس ومشرفي التغذية بها وأيضًا الأمن المسؤول عن بوابة تلك المدرسة لأن سائق سيارة نقل توريد التغذية كانت بلا فرامل ما أسفر عن دهس طفل أسفل عجلاتها بفناء المدرسة وأمام باقي زملائه، وكان الأحرى الاستماع إلى طلب الدكتور علي عبد الرحمن محافظ الجيزة بالاكتفاء بوقف مسؤولي المدرسة عن العمل ثلاثة أشهر، فهذا دون شك سيكون عقابًا رادعًا يجعل هؤلاء المسؤولين لا ينامون الليل ويَحلمون بكوابيس مرعبة من تأنيب الضمير، وهو ما كان سينعكس على تعاملاتهم المستقبلية مع أجيال المستقبل دون شك!

الأنكى من هذا وذاك كما ذكرت، ليس في تلك الحوادث “الفردية” “غير المعمّمة”، فبالله عليك هل سمعت من قبل عن مقتل أي من الطلاب في المدارس المصرية بسبب الإهمال؟ أو هل سمعت من قبل عن إصابة أي من الأطفال المصريين بقيء أو بإسهال بسبب تناولهم وجبات مدرسية مسمّمة؟!

نعم، إن مثل هذه الحوادث لا توجد سوى بخيالي المريض، وهو ما دَفع وزير التربية والتعليم، الدكتور محمود أبو النصر، إلى الردّ ببيان رسمي عن تلك الحوادث “النادرة” لقتل طلاب في المدارس المصرية، يُعدّد فيها إنجازات وزارته، بدءًا من التركة الثقيلة التي تتمثّل في عدد الطلاب الذي يبلغ 18.5 مليون بالإضافة إلى مليون ونصف المليون معلم، وصولًا إلى تغيير 30 بالمئة من المناهج بالكامل، كما تم إزالة الحشو من المناهج التي لم يتم تعديلها، وغيرها من “الإنجازات” المماثلة التي لن تكفي سطور هذا المقال في سَردها وحَصرها!

 

من فضلك لا تتوقّف عن استكمال قراءة المقال قبل سماع هذه “القنبلّة المدوّية”؛ حيث صرّح المتحدّث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، السيد هاني كمال، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج “هنا العاصمة” مؤخّرًا بأن وزير التربية والتعليم، الدكتور محمود أبو النصر، على استعداد كامل لتقديم استقالته إذا كان هذا هو الحل، ولكن مصر ليست من الدول المتقدمة مثل أمريكا واليابان حتى يشعر الوزير بالحرج ويتقدم باستقالته، مضيفًا: “نحن بلد لاتزال تتعافى حتى الآن”!

وإذا ما غيّرنا زاوية المقال نحو ما حَدث بكوكب كوريا الجنوبية الشقيق في شهر إبريل الماضي، من غرق إحدى العبّارات بالعاصمة سيول والتي كانت تقلّ على متنها 476 شخصًا، من بينهم 352 تلميذًا في المرحلة الثانوية، وتأكد وفاة 187 شخصًا معظمهم بطبيعة الحال من الطلاب، لا أعرف إذا كُنتم ستتعجّبون مثلي أم لا من تقديم رئيس الوزراء الكوري الجنوبي استقالته من جراء تلك الحادثة الشنيعة التي راح ضحيتها مئات التلاميذ الأبرياء، كما تداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة صورة والد أحد التلاميذ الضحايا في العبّارة الكورية وهو يصفع رئيس الوزراء على وجهه دون أن يرفع الأخير يده للدفاع عن نفسه أو حتى يَرفع عينيه في عين والد التلميذ الغريق وظلّ منحنيًا لفترة دليل على اعتذاره واعتذار حكومته لهذا الأب وباقي الآباء المنكوبين في وفاة أولادهم!

 

لا أعرف حقيقة لماذا غَضب وليّ الأمر كل هذا الغضب من رئيس الوزراء، ولا أعرف أيضًا لماذا تسرّع رئيس الوزراء بتقديم استقالته وكان الأولى أن يقترح محافظ مدينة سيول على رئيس الوزراء التبرّع براتب ثلاثة أشهر مثلًا، فحتمًا سيكون راتب رئيس الوزراء كبيرًا وستعود تلك الأموال التي سيتم التبرع بها بالخير على الشعب، والكل سيستفيد عوضًا عن الإهانة والاستقالة وذلك “الشو الإعلامي” الذي لن يُفيد أحد!

وبالعودة مجدّدًا إلى الحالة المصرية المتفرّدة، فإنني اختلف تمامًا مع السيد هاني كمال في قوله إن مصر ليست كأمريكا أو اليابان أو غيرها من الدول المتقدّمة التي قد يشعر فيها الوزير بالحرج ويتقدم باستقالته؛ فأنا متأكد من أن المسؤولين المصريين ليسوا مصابين بـ”متلازمة التّناحة” التي تجعلهم يظلّون في مناصبهم رغم الكوارث التي تحدث في عهدهم، كما لا أعتقد أن عموم المصريين كذلك مصابين بـ”متلازمة ستوكهولم” تجعلهم يتعاطفون مع أعدائهم أو من أساء إليهم بشكل من الأشكال، كل ما هنالك أنها ظروف بلد خرجت من كارثة كبيرة وتتحسّس طريقها نحو النور، ولازالت هذه البلد تتعافى إلى الآن، فرفقًا بمسؤوليها أثابكم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد