أبو بكر خلاف
أبو بكر خلاف

جلب السلام المصري الإسرائيلي سنوات طويلة من الهدوء بينهما، 40 عاما مضت منذ الزيارة التاريخية للرئيس أنور السادات للقدس التى وقع بعدها معاهدة سلام بين البلدين، ولكن دراسة واقعية للمتغيرات بالشرق الأوسط تثير تساؤلات هامة حول مستقبل هذا السلام.

لاشك أن معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، أكبر وأقوى دولة في العالم العربي، غيرت استراتيجيات الصراع العربي الإسرائيلي، كسر السادات في هذا اليوم تابوهات المحرمات العربية وهو ما فتح الطريق أمام سلسلة من الاتفاقيات لدول عربية أخرى وقعت ما بين الخفاء والعلن.

تبريد الجبهة المصرية أنقذ إسرائيل من خسارة متوقعة إذا استمرت في حرب طويلة ومواجهات على جبهتين، شرقا وغربا، كما وفر على الصهاينة المليارات التي كان من المحتم تخصيصها لميزانيتهم العسكرية، في المقابل استفادت مصر من انسحاب إسرائيل من سيناء واقتلاع ما أقامته على أرضها من مستوطنات، وهو ثمن لو تعلمون عظيم، ولكن قادتهم يعلمون أن ذلك يهون أمام مكاسب السلام وحيادية أقوى الجيوش العربية، على الرغم من توقيع مصر على اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لكن اتفاقات قادة العرب فيما بينهم – للأسف – تظل حبرًا على ورق.

خلال الأربعة عقود الماضية واجه السلام بين مصر واسرائيل اختبارات صعبة، الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي العراقي عام 1981، حرب لبنان التي بدأت عام 1982، الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، وحتى حكم الإخوان المسلمين في مصر (2012-2013) كان اختبارا لمعاهدة السلام، لكنه لم يؤد إلى إلغائها، وبالرغم من ذلك تآمرت تل أبيب وساندت إسقاط الرئيس محمد مرسي ودعمت الانقلاب عليه، وتولت الترويج للانقلاب العسكري عالميا لإكسابه الشرعية المفقودة.

الرفض الشعبي للتطبيع

على المستوى الشعبي لم ينفذ المصريون معاهدة السلام بالكامل، ولم يقبلوا التطبيع، والسبب الرئيس في ذلك الإرث  الثقافي والديني القائم على رفض إقامة العلاقات مع الصهاينة، والنظر إليهم كأعداء محتلين مغتصبين، مهما طال الزمن.

يرى الصهاينة أنه إذا لم تتغير أنظمة التعليم ومناهجه بالدول العربية، فإن الموقف تجاه الإسرائيليين لن يتغير.

بقاء معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لأربعة عقود لا يعطيها صك البقاء الأبدي. ويظهر لنا من التاريخ أن الحروب تنفجر عادة إذا غاب السلام الحقيقي بين طرفين. البعض يرى ذلك ممكنا إذا استمر طرف ثالث في الرعاية، فطالما كانت علاقة مصر بالولايات المتحدة وثيقة لكونها طرف ثالث يمتلك التأثير على البلدين يستمر السلام، لكن إذا أخذنا في الاعتبار تآكل النفوذ السياسي للولايات المتحدة عالميا في مقابل عودة النفوذ الروسي والإيراني، وهو ما قد يؤدي بالنظام المصري إلى البحث عن أحضان الدب الروسي، وهو ما بدأ بصفقات سلاح وإقامة مفاعلات نووية، فإن الأمر ينذر بالتغيير، وإن كان تحقيق ذلك على المدى التمويل.

البعد الإقليمي

كما أن البعد الإقليمي الذي يتسم بارتفاع قوة ونفوذ إيران يبعث على القلق أيضا. دول المنطقة التي تشعر بعدم استعداد الولايات المتحدة للوقوف بجانبها في وجه إيران لديها خياران، وهما إما تحدي إيران أو الاتحاد معها. وتعتبر مصر وسطا في موقفها على الرغم من كونها عضوا في المعسكر السني المعتدل الذي يعمل على احتواء النفوذ الإيراني ومواجهته، وهو ما يجلب لها المساعدات المالية السخية من المملكة العربية السعودية وحلفائها في دول الخليج، لكن هذا المال، والذي يعرف مجازا بالرز، لم يمنع السيسي من دعم بشار الأسد، حليف إيران، البعض يرى أن السيسي يمكنه القبول بروسيا وإيران بديلا عن الولايات المتحدة، إذا وجد منهما من المساعدات الاقتصادية ما يلبي احتياجاته.

بالتأكيد ابتعاد مصر عن إيران يغضب الروس، لكن في الوقت نفسه يغضب القرب من طهران حلفاء السيسي من الصهاينة، أما تفعيل مبدأ مسافة السكة، الذي اعتمده السيسي لخدمة دول الجوار، وخاصة الخليج بزعم الدفاع عنهم في مواجهة مشروع إيران، فهو رهين بمن يدفع أجرة هذه المسافة ويغطي بالأرز تكلفة الانتقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك