مسلسل «رأفت الهجان» من أشهر الأعمال الدرامية التي تم إنتاجها في تاريخ التليفزيون المصري، لاقى نسبة مشاهدة عالية جدًا، حتى قيل إن الشوارع كانت تخلو من المارة في وقت عرضه الأول عام 1989، وكما هو معروف فهو «ملحمة وطنية من أعمال المخابرات العامة المصرية»، وقد ظهر في البداية كقصة مسلسلة لكاتبها الكاتب الراحل «صالح مرسي» في مجلة المصور المصرية عام 1986 قبل أن يقوم المؤلف بتحويله لمسلسل تليفزيوني «ثلاثة أجزاء» من بطولة محمود عبد العزيز ويسرا، وإخراج يحيى العلمي.

وكما تقول المعلومات المتوفرة فإن الكاتب التقى بأحد ضباط المخابرات المصرية، الذي حثه على قراءة ملف «رفعت علي سليمان الجمال» الجاسوس الذي تم زرعه في إسرائيل لمدة عشرين عامًا، وتحمس «صالح» وذهب لمقابلة السيد «عبد المحسن فايق» «أو كما نعرفه باسم محسن ممتاز» قائد العملية منذ البداية، ولكنه رفض الإدلاء بأية معلومات، فما كان من صالح مرسي إلا أن ذهب للسيد «عبدالعزيز الطودي» «أو عزيز الجبالي كما في المسلسل»، والذي تولى تشغيل الجاسوس وتوجيهه لسنوات طويلة، وفتح كل الملفات أمام المؤلف وكانت النتيجة: «رأفت الهجان» الرواية ثم المسلسل.

بالطبع لا يمكن تصور خروج هذا العمل بدون مواقفة جهاز المخابرات وتصديقه على كل حرف ومشهد في العمل، فهذا هو المتبع والمعروف، طالما ذكر اسم الجهاز في تتر المسلسل، وليس عملاً من خيال الكاتب، ومع ذلك لا يمكن إغفال مدى عبقرية «صالح مرسي» في تحويل القصة إلى عمل درامي ملحمي لاقى نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، والذي بسببه قامت إسرائيل – ربما لأول وآخر مرة – بإصدار بيان رسمي نفت فيه كل ما جاء في المسلسل واعتبرته «مجرد خيال يستحق التقدير من المصريين»، قبل أن تعود وتؤكد أن «جاك بيتون» «الاسم الذي عرف به الجمال/ الهجان في تل أبيب» كان بالفعل جاسوسًا زرعه المصريون، ولكن تم كشفه وتجنيده ليصبح عميلاً مزدوجًا لصالحها.

ومنذ وقت عرض المسلسل وحتى الآن لم ترد المخابرات المصرية على ذلك الادعاء الإسرائيلي بشكل رسمي، واكتفت بذلك العمل الدرامي والتزمت الصمت كلية، وربما سيظل ذلك هو الموقف الرسمي لسنوات طويلة قادمة، فأجهزة المخابرات في العادة لا تكشف عن وثائقها وأسرارها إلا بحسابات معقدة ودقيقة لا نعرف – ولن نعرف– عنها شيئًا، ومن كل ذلك لا يبقى أمامنا سوى المسلسل الذي يحمل توقيع جهاز المخابرات العامة المصرية وموافقته.

الهدف الواضح من ذلك المسلسل تقديم صورة بطولية شبه مثالية لمصري استطاع اختراق المجتمع الإسرائيلي من قاعدته إلى قمته، والحصول على معلومات فائقة السرية وشديدة الخطورة عن نوايا العدو الرئيسي لمصر وخططه منذ الخمسينيات وحتى ما بعد حرب أكتوبر 1973، وهذا – بالقطع – ما حدث فعلاً على أرض الواقع، سواء في قصة رفعت الجمال أو في قصص أخرى، لأن ذلك هو دور أجهزة المخابرات الذي أنشئت من أجله، ومع تسليمنا بحق الكاتب والمؤلف بهامش كبير «أو صغير على حسب» في تحويل القصة الحقيقية إلى عمل درامي أو روائي، إلا أنه من الملاحظ أن كثيرًا مما جاء في ذلك العمل تمت كتابته بأثر رجعي، بناء على ما ظهر من حقائق ومعلومات، بعد انتهاء دور الجاسوس وتقاعده في منتصف السبعينيات.

وربما كانت محاولة من جهاز المخابرات العامة المصرية لتقديم صورة مغايرة لتلك الصورة التي ظهرت عقب هزيمة 67 الكارثية، وبعدها في محاكمة رئيسه الأشهر «صلاح نصر» وانحرافاته، وهي التي اشتهرت – وكما جاء على لسان «جمال عبدالناصر» نفسه – بأنها «دولة المخابرات».

ومهما يكن؛ فإن المتابع الجيد يدرك أن كثيرًا من المعلومات التي جاء ذكرها في المسلسل، بأن الجاسوس الشهير قد تحصل عليها، وأنه أرسلها للقيادة في مصر، التي لم تتعامل معها بالشكل المطلوب ليس حقيقيًا؛ لأن كثيرًا من تلك المعلومات ظهر فيما بعد كما سبق القول.

وعلى سبيل المثال، فإن ما جاء في الجزء الثاني من المسلسل، من أن رأفت الهجان عرف خطة العدوان الثلاثي قبلها بأسبوعين، عن طريق زوج سكرتيرته، الذي كان ضابطًا في هيئة الأركان الإسرائيلية، ليس حقيقيًا؛ لأنه ببساطة لم تكن خطة «سيفر» معلومة إلا لمن وقعوا عليها أو كانوا شهودها وهم: ديفيد بن جوريون، موشي ديان، وشيمون بيريز، ولم يعرف العالم – وبالتالي مصر– شيئًا عنها إلا بعد تنفيذها في أكتوبر 56.

وأيضًا ما جاء في الجزء الثاني من أن الجمال عرف بسر خزان الوقود الاحتياطي، الذي تم وضعه في الطائرات الحربية الإسرائيلية؛ ليمكنها من الطيران لمسافة ومدة أطول، ببساطة لم يحدث، ولم تعرف مصر ولا القيادة العسكرية ذلك السر إلا بعد أن إذاعة الإسرائيليين بعد الحرب.

وثالثًا جاء ضمن مشاهد الجزء الثالث مشهد يعاتب فيه رأفت الهجان ضابط المخابرات «حسن العطار» بعد هزيمة عام 67، وكيف أنه زود مصر بكل تفاصيل الخطة الحربية، وحدد اليوم الذي سيحدث فيه الهجوم، وهذا صحيح لكن الشيء غير الصحيح هو تفاصيل خطة الهجوم الجوي، الذي استعارت فيه إسرائيل خطة الهجوم البريطاني في عام 56، ولم يكن أحد يعرف أن قيادة الأركان الفرنسية أعطت اليهود نسخة منها، وهو ما تم تنفيذه صباح الخامس من يونيو.

إن كل ما سبق لا ولن يقلل من قيمة المسلسل؛ فهو من الناحية الفنية والدرامية عمل كبير، ولكن من الصعوبة بمكان قبول «الحكمة بأثر رجعي»؛ لأن ذلك يفقد التاريخ مصداقيته، وبالتالي يؤثر على نظرتنا له ومدى استفادتنا منه، فالتاريخ ليس مجرد حكايات عن بطولات قد تكون صحيحة أو مزيفة، بقدر ما هو دروس نتعلم منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد