في منتصف القرن التاسع عشر، نعت القيصر الروسي نيكولاي الأول الدول العثمانية بلقب “رجل أوروبا المريض” لما وصلت إليه تلك الدولة العريقة من وهن، على الرغم من امتداد تاريخها لعدة قرون متواصلة .

وحقيقة الأمر لم يكتف بذلك النعت فقط، بل دعا حلفاءه الأوروبيين لاقتطاع الأملاك العثمانية مع روسيا وهو ما أدى في النهاية بعد عدة عقود ليست بطويلة إلى تقسيم الدولة العثمانية وجعلها مجرد دولة ممتدة على هضبة الأناضول .

وللإنصاف لم تكن تلك الحادثة بالوحيدة في التاريخ الإنساني، فكانت الصين كذلك خلال حكم أسرة تشينغ الممتد حكمها من 1644 – 1912 تنعت أيضًا برجل آسيا المريض، نظرًا لتخلف شعبها وحالة الفقر المدقع الذي كان مستشريًّا في جسدها، ويجب ألا نغفل أن في إحدى حلقات مسلسل وهن الصين، كان تعاطي الأفيون أشبه بارتشاف الشاي مع وجبة الإفطار، وهو ما استوجب قيام حربي الأفيون الأولى والثانية ضد القوى الأوروبية في محاولة من الحكومة لرأب ما خلفه الفقر والإدمان في الشعب الصيني، ومواجهة محاولات أوروبا للسيطرة على الصين وشعبها عن طريق الأفيون.

وكما يردد الكثيرون “ولكم في التاريخ عبرة “، فلا بد من الأمس أن يُبعث لليوم لنتعلم منه في المستقبل، ففي الوقت الذي تحول رجل أوروبا المريض لفارسها المتعافي وتحول رجل آسيا المريض للتنين الذي يهز عرش القوى العظمى، أصبحت دولة حضارة السبعة آلاف عام، أشبه بمومياء تحاول الرقود مرة أخرى في تابوتها المذهب بذكريات من عصور انتهت وصارت في حكم الوقت مجرد ماضٍ.

نعم يا سادة، علينا أن نعترف بحقيقة الانهيار، فلعل الله مَنَ علينا بنعمة أن نكون شاهدين على الانهيار البطيء لتلك الدولة العريقة، ربما سيشكك البعض وينعتوني بالمتشائم، لكن للإنصاف أصبحت مصر اليوم، رجل العالم المحتضر والذي غلبه المرض والوهن على أمره.

إن كنت تعيش في مصر، يمكنك أن تسير في طرقاتها، فتجد الطرقات وقد عجت بالمتسولين والذين لم يرحمهم ارتفاع الأسعار والتضخم من هول الحياة، وبمتابعتك للصحف اليومية، ربما ستعتاد الفضائح والأخبار الصادمة، من حكومة جاءت من طبقة “الكومبوندات” لتعالج مشاكل أهل العشوائيات، وهو ما يعكس حجم الفوارق الطبقية، ومن نظام متوسط سن الشباب فيه من 70 سنة لما فوق، وأحزاب سياسية، لجأت للأنشطة الفنية بل وربما دورات تعليم الخياطة كبديل من خواء مراكزها، وكنوع من التجديد.

وكدليل، على تكرار التاريخ لنفسه، أصبحت مصر بحاجة إلى سلسلة من حروب الأفيون للتخلص من حجم المخدرات الرهيب، والذي يسيطر على أجيال بداخلها، بل وصارت أشبه بالدولة العثمانية في حروبها، فبعد سلسلة من الهزائم بدأت منذ عام 1948 مرورًا بعام 1956 وتتويجًا بعام 1967، صار أمرًا معتادًا تلقي الضربات المبرحة في حرب العصابات في سيناء على أيدي التنظيمات التكفيرية دون النجاح في تصفيتها على مدار ثلاث سنوات.

وللإنصاف، أصبح الحمق داخل الدولة المحتضرة، أسلوب حياة إن لم يكن مرضًا متمكنًا من جميع أفراد المجتمع، فمن معارضة بل أي وزن سياسي، إلى حركات لا تمثل طموح الشارع سياسيًّا، إلى جماعة الإخوان المسلمين والتي اختارت التقوقع كحل للبقاء بدلًا من التعلم من مثيلاتها في تونس وتركيا وغيرها من البلدان، لم لا وقد لجأت للمواجهة الصفرية مع النظام الحاكم كحل أخير للحكم.

حقيقة الأمر، أن مصر الآن تحتضر، من مؤسسات استشرى فيها الفساد وتمكن، وتحاول استغلال الظروف في فرض سلطتها، وأجهزة أمنية لجأت للقمع ولأول مرة بتأييد من المواطن البسيط في مواجهة تيار، مهما كانت مبرراته فقد فشل في قيادة الدولة، سواء كان ذلك بسبب تقوقع قياداته أو شعورهم المؤقت بنشوة التمكن أو بإصابتهم بمرض العته المستشري في جميع عقول أبناء هذا البلد العريق، لا ندري ولكن مع القمع والذي يطال الجميع، أصبح المبرر الدائم هو العودة إلى بر الاستقرار الآمن.

ففي رأيهم المتحضر، أن مصر كانت في أزهى عصورها عندما كانت تعاني من القمع الأمني مثل عصر عبد الناصر أو السادات أو حتى مبارك، وكأن مصر كانت من السبعة الكبار في ذلك الوقت، وهي لم تترك قوائم البؤس الدولي منذ بداية العصر الحديث، وأصبح البعض وبالعمليات النوعية والتي توصف بالإرهابية أحيانًا والتي تأتي كالعادة من مؤامرات كونية أو بفعل خلايا إخوانية تنقسم “ميتوزيا”، عند الانتهاء من تصفية إحداها، تهدف إلى مواجهة النظام بالعنف وإلخ.

وهو حقيقة الأمر يكون بمثابة عامل محفز لا أكثر في طريق الانهيار الطويل، لتلك الدولة المحتضرة، ربما تكون أشبه بسكرات موت لعجوز ما زال متشبثًا بسريره ممسكًا بالدنيا يأبى الرحيل.

يجب أن نسلم، بأن رجل العرب المريض – مصر- قد طالت سكراته، رغم المساعدات الخليجية والتي لم يشعر بها المواطن البسيط، والتي انتهت بفضيحة بيع العجول الخاصة بالمنحة الإماراتية لمصر، أصبح علينا التسليم بأن لا أمل مع هذا الرجل المريض، المشكلة ليست مشكلة نظام أو جماعة أو حتى رئيس، المشكلة مشكلة أن تلك الدولة فاسدة الإدارة متخلفة المرجعية، كانت نهايتها دائمًا وأبدًا واحدة وهي الانهيار.

فمن كارثة بيئية في النيل دون أدنى مبالاة، إلى فضيحة ذبح الحمير وتوريدها لحومًا لكبرى مطاعم العاصمة إلى هشاشة وسفاهة طبقة الصفوة والتي توصف بالسطحية والتي استطاعت فتاة بكل بساطتها وببساطة شعاراتها أن تنهي عملًا تكلف ملايين من حشد من يدعون أنفسهم صفوة وفناني المجتمع.

وليس الأمر داخليًّا فقط، فخارجيًّا فشلت المومياء الفرعونية من حشد الدعم لاستصدار قرار يجيز التدخل في ليبيا، وصار العجوز يهزي فيجرم حركة المقاومة في غزة ويفقد المزيد من أوراق الضغط والتمدد الدبلوماسي، بل ويتربع على قوائم الفقر والمرض والتعاسة والأمية، وإلخ إلخ من قوائم سوداء ما هي إلا مؤشرات لقرب ساعة الراحة لمريضنا المحتضر.

ولمن يعتقد أن الفرج سيأتي يومًا ما، عليهم زيارة المستشفيات والتي أصبحت صفحات الفيس بوك، تعج بصور حالتها المزرية، ويمكن أن ترى مستقبل بلد ما عندما ترى تعليمه، وأعتقد أن مستقبل تلك الديار لن يكون أكثر ازدهارًا عندما ترى المنظومة التعليمية المنهارة والتي تعتمد على الصم والحفظ وفقط دون إبداع أو حتى فهم الغاية من دراسة تلك المناهج، ولا نستطيع أن نغفل أن صفحة ساخرة استطاعت أن تسرب امتحان الشهادة الثانوية بل وتساوم الدولة على مطالبها الإصلاحية في مشهد هزلي أقرب للفانتازيا منه إلى الواقع.

وفي بلد أغلبية سكانه من عنصر الشباب، يمتازون بتفضيلهم للهجرة كحل أفضل من البقاء في السفينة التي تغرق في بحر من اليأس، ومع حالة انعدام القانون وسيطرة البلطجة كنوع من أنواع بسط النفوذ في مجتمع الغاب، مع تقنين البعض وإفتائهم بأن الحشيش ليس أكثر حرمانية من تدخين السجائر، أصبح بإمكانك مشاهدة معدلات الجرائم الناتجة عن الإدمان والتي تعرض على بعض البرامج الهابطة اللاهثة وراء الشو الإعلامي. ومع مقولة إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، أصبح الأمر يزداد صعوبة لأن أمتنا العريقة صارت بلا أخلاق أو ضمير أو حتى بعض من العقل؛ فلزامًا علينا أن نفكر طويلًا، فيما قد تصل الأمور له من سوء.

 
ورغم أن تلك الحقيقة لا تخفى عن صناع القرار في ذلك البلد البائس، إلا أن تصرفاتهم وأفعالهم، تدل على أنهم لا يعطون للرجل المحتضر سوى بعض المسكنات والمهدئات والتي قد تطيل من معاناة المريض لتبقيه على قيد الحياة لأطول وقت ممكن، ولكن أين المفر؟!! فرجلنا المريض بحاجة إلى ترياق شباب لا لمسكنات أو مهدئات.

فدولة في القرن الحادي والعشرين، بلا معدلات شفافية أو قانون أو عدالة وتسلم بالفساد الإداري وعشوائية القرار كطريقة مثالية للإدارة، لن تبرح من مكانها أبدًا إن لم تهوِ أصلًا إلى قاع النهاية المحتوم.

بعد التسليم، بحقيقة الانهيار، علينا أن نقاوم شعور الإحباط واليأس ولنتذكر دائمًا، احتاجت تركيا إلى ما يقارب من تسعة عقود لتتعافى، واحتاجت الصين لما يقترب من قرن إلا عقد لتبعث من جديد، فليس أمامنا سوى الانتظار حتى يسلم رجل العرب المحتضر، الأمانة إلى خالقها ويولد  مولود جديد يرث تلك المومياء ولنتمنى وقتها أن ينعم أولادنا بما حرمنا منه على مدار تلك العقود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوربا, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد