إن أبسط ما يفعله الاستبداد بالشعوب أنه يشل إرادتها فيستوي لديها الحق والباطل، تتغير مفاهيمها وتنقلب قيمها، فتكتفي بالمشاهدة فقط، ولا يصبح للشعب قيمة أو وزنًا أو رأيًا. قيمة الشعب تنبع من قوته، وقوة الشعب هي قدرته على أن يختار من يمثله، أن يعبر أفراده عن رأيهم بحرية دون أن يتهم أحدًا منهم بالخيانة أو العمالة.

مصر لا تمتلك نظام حاكم.. بل يمتلكها نظام عسكري.. اختار النظام أن يثق في نفسه أكثر من ثقته في عقول الشعب المصرى.. اختار أن يصمت الجميع لكي يتحدث هو فقط، أن يشل إرادة الجميع لكي تتحقق إرادته، أصبحت حرية الرأي وممارسة النقد جريمة، والمعارضة كابوسًا، النظام استبدل المفاهيم الصحيحة بأخرى مغلوطة، فالبلطجية أصبحوا مواطنين شرفاء، والمعارض إرهابيًا.. معتقلًا.. مطاردًا.. أو مقتولًا، والبارع في التصفيق وطنيًا مخلصًا، ثورة 25 يناير (كانون الثاني) أصبحت نكسة 25 يناير، والانقلاب أصبح ثورة. تم اختزال الدولة في الجيش، والجيش في الرئيس، والرئيس أصبح هو مصر، ومصر تمتلك أذرعًا إعلامية وسيفًا في يد الرئيس، والسيف مخيف، وحاملة جبان.

في وسط انقلاب المفاهيم في مصر يرفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» تقرع طبول الحرب في الإعلام المصري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لتهيئة الشعب المصرى لقبول فكرة الحرب على ليبيا، حفاظًا على الأمن القومي المصري، وحفاظًا على حدود وتراب مصر من المحتل التركي. والتعريف المختصر للأمن القومي هو حماية الحكومة والبرلمان للدولة من الخصوم التقليديين من دول أخرى، وأيضًا حمايتها من المسئولين الفاسدين وأعداء الداخل.

يذكرني موقف النظام المصري «بعمدة قرية، يذهب يوميًا هو وشيخ الغفر إلى القرى المجاورة ويقذفون أهلها بالحجارة.. ويعودون ويطالبون أهل القرية بالذهاب معهم يوميًا، وإذا حاول أحد العقلاء تنبيه أهل القرية بأن العمدة وشيخ الغفر مجانين.. وأن أهل القرية «لا ناقة لهم ولا جمل» في إلقاء الحجارة على القرى المجاورة، يجد العمدة وشيخ الغفر يوجهون له تهم الخيانة والعمالة والانتماء لجماعة محظورة».

الحملة الإعلامية في مصر الآن تطالب جميع المصريين بالوقوف صفًا واحدًا خلف الجيش المصري والقيادة المتمثلة في عبد الفتاح السيسي، للحفاظ على أمن مصر، وأن هذا الوقت غير مناسب لأي خلاف سياسي بين أي وطني مخلص وبين النظام العسكري الحاكم، يجب أن ننسى خلافاتنا ونصطف مع النظام، ونؤيده في قرار الحرب وإلقاء.. الحجارة.. على ليبيا.

لكن السؤال هنا هل فعلًا الخلاف بيننا وبين النظام العسكري الحاكم في مصر هو خلاف سياسي؟

إن بيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، والانقلاب على ثورة 25 يناير، وقتل وسحل واعتقال المتظاهرين، وكبت الحريات، ليس بخلاف سياسي، تهجير أهالي سيناء وجزيرة الوراق، تدمير اقتصاد مصر وتعويم الجنيه وإفقار أهلها وإغراق مصر في الديون، ضياع ماء النيل، ليس خلافًا سياسيًا، توريط مصر في حروب بالوكالة تنفيذًا لأوامر السعودية والإمارات، وتحويل مصر إلى دولة تابعة لآل سعود وآل زايد، ليس خلافًا سياسيًا، مطاردة آلاف الشباب وقتل آلاف واعتقال الأهالي، وتعذيب المعتقلين، واغتصاب الفتيات في السجون، ليس خلافًا سياسيًا.

إنه خلاف وجودي ولا يطلق عليه أبدًا خلاف سياسي، إن النظام العسكري المصري اختار أن يدمر مصر تدميرًا ممنهجًا، تدمير آمال وطموح ومستقبل شعب تعداده 100 مليون.. تدمير حضارة وحقوق تاريخية في مياه النيل، تقزيم دور مصر لتصبح من أحد رعايا آل سعود وآل زايد، نذهب للحرب لأجل بعض الأموال وتنفيذًا لخطة الحرب مسافة السكة.. نخاطر بالآلاف من الشباب من أجل لا شيء.

ماذا يعني اصطفاف الشعب المصري مع النظام العسكري الحاكم؟

إن الاصطفاف مع النظام المصري هو تفويض بالقتل للمعارضين في السجون وإسكات صوت المعارضة للابد، هو تفويض بالقتل لشعب عربي شقيق وتمكين لمرتزقة الإمارات وروسيا من رقاب الليبيين، هو تجهيل وشغل الرأي العام المصري بقضايا أخري لتغطية الفشل فى إدارة ملف مياه النيل. إن الحرب على ليبيا هي النسخة الثانية من حرب اليمن في الستينات.

إن الاصطفاف مع النظام المصري في حربه على ليبيا يعني تمزيق الممزق وتقسيم ليبيا إلي دولتين غرب وشرق ليبيا والقضاء على ثورة 17 فبراير (شباط) إلى الأبد. إن الحرب على ليبيا هي القشة التي ستقصم ظهر الاقتصاد المصري. والحرب مع الليبيين ليست نزهة ولا ضرورة ولا حتى توجد منفعة منها.

الاصطفاف مع الجيش المصري معناه الاصطفاف ضد ثورات الربيع العربي وإنهاء تلك الثورات والقضاء على أهدافها، الاصطفاف مع النظام هو دعم ومساندة لتوجية السلاح نحو صدور الأشقاء، وليس الأعداء الذين يعيشون في أمان بالرغم من انتهاكهم واحتلالهم للمقدسات العربية والإسلامية.

إن الاصطفاف مع النظام المصرى هو خيانة لمعنى العدل وحسن الجوار وعدم التدخل في شئون دولة تواجه حربًا ضروسًا مع مرتزقة بوتن وآل زايد.

إن الاصطفاف يعني الوقوف مع الحق، والحق لا يمتلكه من يعتدي على الآخرين، الحق لا يمتلكه أبدًا ديكتاتور وسفاح بيننا وبينه دماء إخوتنا ومعتقلينا يرزحون تحت الآلات التعذيب في سجونه. الخلاف بيننا وبين النظام المصري ليس خلافًا في وجهات النظر بيننا وبينه دماء إخوة لنا سقطوا في ميادين الشرف والكرامة مطالبين بالحرية، الحرية التي قتلها النظام عمدًا. اختطف الجيش المصري مصر تحت قوة السلاح، إنه احتلال عسكري كامل الأركان من جيش لشعب ووطن، ويطالب إعلام هذا الجيش الشعب بالاصطفاف خلفه.

إن الأمن القومي المصري في خطر، وهو خطر داخلي، فساد، وقتل، وقمع، وفقر، وجهل، ومرض… وعسكر، هذا هو الخطر الحقيقي على الأمن القومي المصري الذي يجب أن نصطف جميعًا للوقوف ضده.

أشعر بالحزن من طرح هذا السؤال الذي هو عنوان المقال هل الاصطفاف مع النظام المصري في حربه على ليبيا وطنية أم خيانة؟ فكرت كثيرًا كيف يمكن لأحد عاقل ألا يصطف جنبًا إلى جنب مع بلده، كيف يمكن أن يجول هذا السؤال في رأس أي شخص يحب مصر.

 لكن الحق أحق أن يتبع، لن أقف في صف ظالم أبدًا، ولو وجهت إليّ كل تهم الخيانة، لن أدعم نظام حكم ظالم وأعطيه تفويضًا بقتل الليبيين والمخاطرة بحياة الجنود المصريين المجبرين على إطاعة أوامر هذا النظام العسكري.

إنه ليس خيارًا بين الوطنية والخيانة، إنه اختيار للحق والعدل، ورفض لمساندة نظام، ورئيس أعتبره مسدس صوت جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد