«يا من تسكنون شواطئ الأحمر والأبيض! ننقل لكم هذا البث الحي حيث أنتم وأجسادكم المغطاة بدهانات التدليك والمساج، قولوا لي: ما رأيكم في رجل تبدو على وجهه ضربات الشقاء وتشققات القهر، شعره أبيض كبياض قلبه الساكن بين جوانحه، قد أخفاه بقبعة كما أخفى دموع عينيه خلف نظارة زهيدة الثمن قد ربط جوانبها بأستك مطاطي لا لأنها مكسورة بل ليخفي الدموع القابعة في أعماق عينيه! رجل تبدو عليه هيبة الجدود وصمود الآباء.

ربما ما زاد ذلك قميصه الأبيض ذو الياقة التي أسقطت خيوطها مصائب الأزمان من تحت الجاكت الذي اشتُهر في التسعينيات والذي يمتلكه معظم آبائنا، يتكئ على عصا خشبية قرر أن يستند عليها فكانت صاحبه الأصيل كما كانت عصا موسى، لم تكن معجزة كثعبان بل كونها لم ولن ترفض الوقوف بجانبه أبدًا. بعدما هشت عظامه من صعود ونزول سلالم مصلحة حكومية فاسدة لم تسمح لمثل هولاء باستخدام المصاعد الكهربية، رجل ربما رعشة يديه كفيلة أن تحرك قلبك من مكانه.

اهتزاز رجليه ربما يدفعك إلى الهرع لمساندته ولكنه لن يسقط كما تعتقد يحارب العجز حتى وإن كان عاجزًا!

رجل ربما لو سقطت دمعة من عينه تسقط معها كرامته وتسقط معها نيازك العدل لتصعق مراقد الظالمين، ما أن صعد إلى المترو رأيت فيه ملامح أبي أو ربما كل الآباء! أعجبني الأمر جدًا، لم يدم هذا الإعجاب كثيرًا.

تكلم بصوت يكاد يكون مسموعًا ولكنه اخترق حجرات الأذن فضلًا عن توقف ضربات القلب احترامًا. كان الرجل يطلب الدعاء فقط لم يطلب أموالًا ولم يسمح بذلك، لم يشكُ أوضاعًا مادية مثل جميعهم، بل ذكر كيف أنه كما يؤمن بالعصا في يمينه كما آمن موسى، يؤمن جدًا بمن جعل من عصا لا قيمة لها أمرًا جللًا في حياة أمثاله، لم يذكر اسم مسئولي دولة أصبحوا للعهر والفجور أحط شأنًا من قوم لوط وفرعون، بل ذكر اسم الله الجبار وربما كان لاختيار الاسم سر في نفسه. طلب دعاء القوم الذين أحاطت قلوبهم أسوار اللامبالاة وتناست ضمائرهم تعاريف المؤمنين، لم يصف حالته الصحية فما بدا عليه كان أعظم.

ربما شعرت به كأبي حقًا، أتساءل لمَ وضع الناس أعينهم جهة الأرض حينما ذلك! ربما بدا لي كملك عظيم يمر بين حاشيته!

أتساءل لمَ رأيت دمعًا في عين سيدة تجلس مقابلة لمجلسي، أتساءل لمَ عجزت جوارحي من جراء ما حدث، ثوان معدودة بدت كأنها سنون القهر في حياة أبينا.

بدت قهرًا للكثير ولكنها لحظات للكرامة رغم كل ما قرأت عنها إلا أن هذا الرجل أتى ليسطر لي مرجعًا مرئيًا لمعنى الكرامة الحقيقي، أصبح لي قدوةً ومثالًا لن أنساه ربما وددت أن يبقى كثيرًا كأستاذ جامعي قدير يقدم سيرته الذاتية الحافلة بالكثير من الإنجازات التي لن تجدها في بلادنا إلا بمحض صدفة كهذه.

ولكن جاءت المحطة! محطة أخرى في حياتنا وحياته واتجه أبونا نحو الباب. عيني تترصد حركات ساقيه البطيئة حتى اختفى كقطرة ماء سقطت لتحيي أرضًا بائسة. قد لا أراه ثانيةً أتمنى هذا ولا أتمنى رؤية تجاعيد وجهه التي أصابت قلبي بتجاعيد شبيهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد