لا أرى الذي أسمعه من الكثير عن سيطرة الإعلام على الرأي العام المصري، ولا أتفق مع ما يحكونه كأنه حقيقة مجردة لا جدال فيها! وللتنويه مبكرا, لا يعني ذلك أني أنفي وجود ذلك التأثير, لكني أختلف تماما مع الاستسلام لفكرة أن الإعلام يملك خيوط اللعبة، ويوجه ما شاء حيثما شاء أينما شاء, لعل ذلك كان في عقود سابقة, لكن في القرن الواحد والعشرين أرى أن الأمر مختلف تماما.

الدلائل كثيرة, إحداها: الانتخابات البرلمانية الحالية, وتفصيلا من البداية, كل الاستحقاقات الانتخابية قبل 30/6  كانت نتائجها على عكس ما أراده أباطرة الإعلام، ابتداء من استفتاء مارس على التعديلات الدستورية، وانتهاء بدستور 2012. كانت الحملة الإعلامية ( لا يدخل ضمنها التلفزيون المصري) ضد التعديلات الدستورية قوية، لدرجة توهم الجميع بسببها وجود ندية بين الرأيين.

كانت النتيجة 80% تقريبا ضد التوجيه الإعلامي, بالطبع صادمة للبعض ومدهشة للبعض الآخر. قمة الضغط الإعلامي وصلت أثناء الاستفتاء على دستور 2012 وكانت النتيجة عكس إرداته بالثلثين!

وإذا أقررنا بالمخالفات التي انتهجها الإخوان حينها فسنقلل النسبة، لكنها لن تصل أبدا إلى حد تغيير النتيجة. حتى الذين سيطر عليهم سم الإعلام فأكثرهم من ذوي الفئة سلبية الفعل الذين بالكاد ينزلون للإدلاء بأصواتهم ولا تجد لهم صوتا، إلا في حدود الحوائط المتسترة عليهم.

لكننا نلاحظ الفارق بين النتيجتين, فهل كان ذلك حقا نتيجة لتأثير الحرب الإعلامية ضد الإسلاميين؟ الإجابة: أنه أحد الأسباب، لكنه ليس السبب الرئيس الذي قاد اليها.

بغض النظر عن تأثير دعوة المجلس العسكري في الاستفتاء الأول, فالحقيقة أن الأفعال والسلوك والقرارات السلبية التي خرجت من جعبة التيار الإسلامي هي التي غيرت الشارع ضدهم. إخفاق مجلس الشعب في إرضاء الجماهير، وظهور لغة غريبة مشبعة بالكبر والمبررات اللانهائية للأخطاء اللانهائية نفرت الكثير ممن عقدوا حبال الأمل عليهم ( كان ذلك السلوك عاما في أنحاء المعمورة، بداية من الأرياف، ثم مرورا بالجامعات، وانتهاء بلغة الإعلام الخاص بهم).

ناهيك عن الفضائح الغريبة التي استطاع الإعلام أن يسلط الضوء عليها ناجحا في اقتناص الفرصة بكفاءة. إذن فالطبخة الفاسدة موجودة بالفعل، لم يفعلها الإعلام, لكنه أضاف “الشطة” بمهارة فقط, ولم يكن ذلك بالأمر الصعب.

الخطأ موجود بالفعل, فلماذا نعزو تنبه ووعي الناس به فقط للإعلام؟ ليس هذا بالمنطق المعقول! كان جل تركيز الإخوان المسلمين (هنا يجب أن أخصهم بالاسم) في مهاجمة الإعلام وتبرير الأخطاء دون أدنى التفات لتصحيحها.

اعترف بعضهم بتلك الأخطاء, لكننا لم نر منهم عزوفا عن الانصياع للقرارات العليا ـ أو على الأقل إعلان معارضتها – على الرغم من خطورة الأمر, وذلك في رأيي أكبر أخطائهم وأشدها على نفسي.

فماذا إذن عما بعد 30/6 ؟ هنا الإجابة أسهل بكثير عن سابقتها, لم تمر الاستحقاقات التصويتية طبقا لإرادة الإعلام، ولا أربابها من رجال المال (الوجه الحقيقي للإعلام), لكنها بسبب توجيهات البندقية. الجميع يعلم هذه المرة أن وراء ذلك القناع فوّهة بندقية موجهة نحو المستمع إن لم يذعن لما يقولونه.

لذلك انصرف الشباب عن المشاركة بعد اليأس من وجود قيمة لصوته حتى وصلنا إلى شبه المقاطعة للانتخابات البرلمانية، والتي تعتبر مؤشر خطر لمصير النظام الحالي وشعبيته بين الناس. الجميع يعلم أن الأمن القومي والمخابرات هم أعضاء هذا المجلس، ومهما صخّب الإعلام ليغير هذه الصورة فقد فشل تماما في ذلك.

فشل الإعلام في أن يقنعنا بأن لنا صوتا ذو أهمية, كما فشل في تجميل الصورة السوداء للتعامل الأمني مع المواطنين، والذي عاد سلوكه لأضعاف الفجاجة التي كانت في العصر المباركي اللعين. فأين ذلك التأثير الذي ندعيه علينا؟

الآن الإعلام يضطر اضطرارا أن يتكلم عن كساد في شعبية السيسي مع أن الطبيعي أن يدعي أن شعبيته تزيد أو مستقرة, لأن هذا هو الواقع الذي يعلم أن الجميع يعلمه, ليس لأنه يريد ذلك. الإعلام يتكلم الآن عن غضب الشارع المكتوم مع أن الطبيعي أن يدّعي أن الشارع هادئ, لأن هذا هو الواقع ولا مفر منه.

والآن يتكلم عن الفساد مع أن السلطة تريد أن تداري عليه, لأن الجميع يعلم ويرى ويتأذى مباشرة منه ولا تستطيع البندقية أن تجبر أحدا على نفي وجوده ـ وإن كانت تستطيع أن تخرس لسانه ـ فذلك هو الواقع الذي لا يمكن إقناع الناس بغيره مهما بلغت كفاءتهم.

أما عن الأسباب فعديدة, لكني أرى أهمها صفحات التواصل الاجتماعي وطفرة الاتصالات البعيدة (قارن بين نتائج قمع الأسد الأب والابن), وارتفاع مستوى الوعي بين المواطنين في وضوح جلي للأزمات لا يمكن إخفاؤه.

لا توهموا أنفسكم, الشارع يتحرك مع الواقع الآن ونحن المنخدعون بالوهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد