تسيل النفس مرارة وهي ترى واقع جماعة كان منوطاً بها تحقيق آمال الأمة العربية الإسلامية، بل أستاذية العالم، بما يعني نشر الخير بين ربوعه، وإعادة حضارة العدل واحترام الإنسان إليه بعد قرون من الغياب، فبدلاً من سهرها اليوم وعملها على مراجعة الخطوات التي أدت بالجماعة الأم في مصر إلى هذا الواقع المؤلم المحزن، الذي يسر ويُبهج قلب العدو الظالم الغشوم الجهول، ويؤلم الصديق، بل المحايد الراغب في خير البشرية في العالم كله، تسقط الجماعة، من أسف، في معالم فخ طويل يبدو أوله، ولا معالم، ولو بصورة أولية، واضحة لنهايته.

ومن دلائل طول طريق الأزمات في تاريخ الأفراد والجماعات والدول الوقوف لدى منعطف الطريق، أو المُنعرج الذي أدى إلى الأزمة، والبحث من خلال تكرار النهج نفسه أو الخطأ المُؤدي إليه عن حل، وهو ما تفعله جماعة الإخوان المصرية، سواء أكانت داخل البلاد، أم في تركيا، تحديدًا، القطر الخارجي الأكثر تفجرًا بخلافات الجماعة، رغم دقة الموقف الذي يمر به البلد الذي استضافهم ووهبهم أمنًا وأمانًا افتقدوه، فراحوا، من أسف شديد، يتمادون في الاتهامات والخلافات على أرضه، عبر الجبهة القديمة، التاريخية في قول آخر، والجديدة، الشبابية في قول ثانٍ، فقد صار لدينا صراع لفظي في مقابل صراع إرادات لما يُسمى بـ«قيادات» لم تدرك، اللهم إلا مّنْ رحم ربي،  حجم المأساة المحيطة بها، وتفرغت على أرض مصر وتركيا ودول أخرى لـ«وكز» بعضها بعضًا، عبر صريح الاتهامات.

أول طريق أزمة الجماعة الضارية في مصر كان انتخابات مايو/ أيار، ويونيو/ حزيران 2012 «الرئاسية» في مصر، والقارئ الجيد لواقع ما بعدها يعرف أن الجماعة تم استفزازها إليها، بدقة ووضوح، لكي تبدي قوتها، ولكي يتم القضاء عليها، وهي الانتخابات التي لم تكن الجماعة جاهزة لها ولا مؤهلة، ورغم احترامي لكل شريف مخلص في جماعة الإخوان في مصر، فإن ما أصاب مصر من حكم العسكر، بخاصة المخلوع «حسني مبارك» أصاب بعضه الإخوان، بالإضافة إلى التضييق وما يخلفه من اختيارات لا تخلو من عجلة، في ظل نظام امتد إلى ثلاثين عامًا، ولله در الصامد الدكتور «محمد البلتاجي» لما قال في منتصف 2011م، إنه يشعر بأن مؤامرة دولية تحاك للزج بإخوان في مصر في معترك الرئاسة.

وكان ما كان من ترشح الرئيس «محمد مرسي» في اليوم الأخير لغلق باب الترشح، لما أحست الجماعة بأنه سيتم العصف بمرشحها الرئيسي المهندس «خيرت الشاطر»، ثم نجاح الرئيس «مرسي»، وعزل الجيش له، ووقوع مئات الآلاف من أعضاء الجماعة في معترك محنة لا يعلم إلا الله وحده نهايته، بين شهيد ومصاب ومعتقل ومطارد، والجماعة لا تملك منذ 3 من يوليو/ تموز 2013م حتى اليوم رؤية ولا إستراتيجية، أو حتى مجرد بوادر للتغلب على الواقع، أو مجرد نذر لاستشراف المستقبل، وفي بداية الانقلاب تحدثت الجماعة عن عودة سريعة للرئيس «مرسي»، وتدخل دولي، لم يكن إلا في أذهان قادتها، ومن ثم دعت أنصارها إلى النزول إلى الشوارع في سابقة تاريخية في مصر، وصدام مع مريع الجيش!

على أن الأزمة المستمرة، كانت في الأساس لرغبة الجماعة في إصلاح مصر، ومن ثم الأمة، وكانت الانتخابات وسيلة لتحقيق تلك الغاية، فاتضح أن الوسيلة لا تُناسب الشعب المصري، لا لعيب فيه كما يحاول البعض «لمزه» والعيب فيه، في حين ضيقهم وألمهم ومحنتهم، مع أنه الشعب نفسه الذي تغنوا به حينما اختارهم، لكن منظومة الوعي لم تكن قد استقرت بعد لديه عندما ترشح الإخوان لحكم مصر!

أما ما يحدث اليوم فهو إعادة لسيناريو «فخ» إدخال الجماعة في المهالك، نسأل الله السلامة، لكن بصورة مصغرة، من اجتماعات لانتخابات داخلية منذ بداية عام 2014م، في محاولة لإفراز لجنة لإدارة الأزمة، ثم إدارية عليا تكرس للشباب في رؤية جديدة تحاول الزج بفكر ومنطقية في التعامل مع الأحداث، وهي اللجنة التي قادها الراحل، الذي نسأل الله أن يتقبله وأمثاله، الدكتور «محمد كمال» حتى وفاته في أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، ورأت الرد العنيف على الانقلاب، عبر العمليات النوعية لتعمق الأزمة برفض قيادة جبهة «محمود عزت» المسماة بالتاريخية للأمر، بعد سابق موافقتها عليها.

وبمضي الأيام وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2014م دعت الجماعة في تركيا إلى انتخاب مكتب تنفيذي لها هناك، يتبع «الرابطة»، مع كون الأخيرة تتبعها الدول العربية، وتركيا في التقسيم الجغرافي للجماعة، وهو تقسيم لا يخلو من واقعية تتبع «اتحاد المنظمات الإسلامية»، إلا أن الرابطة ألحت وأصرت، مع كون «اتحاد المنظمات» له فرع في تركيا بالفعل «جمعية الحكمة»، وبه بعض الإخوان المصريين مع آخرين من مختلف البلاد العربية، وكان الاجتماع عاصفـًا حتى إن أحد المشاركين فيه كاد يلفظ أنفاسه من فرط الشجارات التي رآها، وتبادل الاتهامات على نحو مخزٍ.

وتم الإصرارعلى «النظام» الذي لم يكن يخضع إلى منطق أو عقل، والانتخابات، نفسها، بالتبعية إلى «الرابطة» لا إلى «اتحاد المنظمات الإسلامية» في الأشهر الأولى من 2015م، ويومها قال مندوب «الرابطة»: «نحن نسير مع المُطالبين بالانتخابات، فإن لم نصل إلى حل سنفرض، كرابطة، ما نريد».

وكان أن تم انتخاب مسؤول عن تركيا قدم إليها من السودان قبلها بأسابيع بمخالفة للائحة التي تقول بوجوب بقائه فيه لمدة ستة أشهر قبل انتخابه، مع انتخاب مكتب لشورى القطر من أربعين عضوًا، وتوالت المفآجأت فاستقال نائب رئيس المكتب اعتراضًا على سياساته، وبدأ مجلس شورى القطر يعاني من عدم الرجوع إليه في اتخاذ القرارات، حتى وصلت الأمور إلى إقرار الرابطة لائحتها التأبيدية في بداية عام 2016م، التي تُقر بقاء أعضائها الذين جاؤوا بالانتخاب مدى الحياة، وعزل مجلس الشورى فعليًا، وبالتالي استقالة أغلب مجلس الشورى، وعقد انتخابات للشُّعب في تركيا، في وقت دعا فيه مجلس الشورى المُنتخب، في محاولة لإقرار الحقيقة، إلى انتخابات مكتب تنفيذي جديد في مارس/ أذار الماضي، لينفذ المكتب التنفيذي القديم ما يراه، ويبقى له نيف وعشرون عضوًا من أربعين من مجلس الشورى، وتنشق عنه جبهة أخرى «مكتب إدارة الأزمة بأغلبية أعضاء مجلس الشعب والشورى 2012م، ووزيرين من ثلاثة من وزراء حكومة الدكتور هشام قنديل وعشرات الشباب وغيرهم».

ولما ازدادت الخلافات ضراوة في يونيو/ حزيران الماضي استفتى المكتب التنفيذي في تركيا الصف على بقائه، فصوت 61% على عدمه، فأبى المجلس تنفيذ نتيجة الاستفتاء!

وبرغم إعلان «الرابطة»، عبر مجلسها التنفيذي محل الخلافات،  تنحيها عن الأمر في تركيا في نوفمبر/ كانون الأول الماضي وعودتها إلى الصواب بضم الأعضاء من الإخوان إلى «اتحاد المنظمات الإسلامية»، عقب ضغط الأخير الشديد، وسفر أعضاء من الرابطة إليه في بروكسل، ومحاولتهم الالتفاف على القرار بدعوة قرابة خمسين من المقربين إلى الانضمام للاتحاد في اجتماع خاص في بداية أكتوبر/ تشرين الثاني كبديل عن الصف الذي يحتوي المئات، وفي النهاية تم القبول بتوزيع الاستمارات على الأسر التربوية تسليمًا بالأمر.

إلا أن مسئولي تركيا تراجعوا عن قرارهم، ليعلنوا في السبت 17 من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي استكمالهم لمجلس شورى القطر التابع للرابطة المستقيل أغلب أعضائه من قبل.

وفي الأسبوع التالي أعلن المكتب الإداري في مصر، التابع للجبهة الأخرى إجراءه انتخابات مجلس شورى جديد للجماعة، وبالتالي أعلنت جبهة «محمود عزت» في تركيا عدم الاعتراف بها، ومضيّها في انتخاباتها.

إن الجماعة تتخذ من الوسيلة الانتخابية غاية، تاركة الطريق نفسه الخاص بتنظيم أمورها، والبحث عن حل للخلاص مما هي، والعودة لنصرة الأمة وقضاياها، والانتخابات التي أدت بها إلى حكم مصر، وهي غير مؤهلة له من الأساس، وهي الوسيلة التي كان من الممكن أن تكون صحيحة لو روعي الوقت المناسب، وهاهي تعيد استخدام الوسيلة نفسها داخليًا لتعميق الخلافات في وقت غير مناسب، وفي ظل عدم سلامة في صدور بعضها بعضًا، وانحيازات تتنافى مع أهدافها، ودقة اللحظة، وطوفان الدماء الذي سال وما يزال، ومئات الآلاف بين معتقل ومصاب ومطارد من أعضائها، موسعة الفجوة بينها وبين نفسها، وتاركة قضاياها الرئيسية والمهمة، منشغلة بالوسيلة عن الغاية حتى حين الإفاقة أو الاستبدال والعياذ بالله!

ولو أن الجماعة في شقها المصري الداخلي والخارجي توقفت قليلاً، وحرصت على رأب الصدع، والتعلم من درس الانقلاب، وأخلصت لربها حتى النهاية ثم أمتها، لكان أجدى لها، ثم تأتي الانتخابات على مهل، فقياداتها ليست في أوان غنمية الآن، ولو كانت معنوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد