كل إنسان عبقري .. ولكننا إذا حكمنا على عبقرية سمكة عن طريق قدرتها على تسلق شجرة؛ فستظل السمكة – طيلة حياتها – معتقدة أنها غبية.

بالطبع، ليس هناك طفل غبى، أو طالب فاشل، إذا وضع كل منهم حسب قدراته وإمكانياته التى أودعها الله فيه،
فعلينا أولًا أن نكتشف أبناءنا؛ لنخرج أروع ما فيهم من إمكانيات ومواهب وإبداعات.

الرياضيات والعلوم مهمة، ولكنها ليست أهم من الفنون، وكلُ شخص فنان ومبدع فى مجاله، إذا وضع فى المكان الصحيح.

آلمنى أشد الألم خروج مصر من التصنيف العالمي للتعليم، بعد حصولها على المركز 140 عالميًا، وهو المركز الأخير،
وتذكرت  على الفور: مدرسة النجاح .. لم ينجح أحد!

لم أندهش كثيرًا فى الحقيقة؛ فكل المؤشرات تُنبئ بذلك، بالرغم من شعورى بالغصة والألم، ولايهم صحة الخبر من عدمه؛ فليس هناك فرق كبير بين المركز الــــــــــ 140  أو الـــــــــ 139، فكليهما فى الحضيض!

وتساءلت ما الذى يُسقط تعليمًا في أية دولة، ويجعلها تنهار وتنحدر إلى هذه الدرجة، فوجدت أسبابًا كثيرة، منها مثلًا: حشو المناهج. وكثرة الواجبات المنزلية التى ترهق الطالب وتجعله كارهًا للتعليم، عدد ساعات التعليم وتفريغ المواد من محتواها. واعتماد الطالب على الحفظ دون الفهم؛ وذلك بالطبع لطول المناهج، مناهج عفا عليها الزمن، وهي لا تفيد ولا تسبب إلا التخلف زيادة على التخلف. وعدم تحديد قدرات الطالب؛ معظم المعلمين غير تربويين. وافتقار المدارس إلى الهوايات والفنون التى يجب على الطالب ممارساتها.

لا أُخفى عليكم أمرًا المنظومة بأكملها فاشلة، بالإضافة إلى مرتبات المعلم المتدنية، والتي تجعله يضطر إلى أن يمد يده
للطالب من خلال الدورس الخصوصية؛ ليسقط من نظر الطالب والمجتمع بأسره! وكأن المقصود إهانة المدرس وإسقاطه، المعلم الذى يجب أن يكون فى المقام الأول قدوة  ورمزًا! لا أنكر  طمع بعض المدرسين وتهافتهم على الدروس  من أجل المال، ولكنهم لايمثلون الفئة بأكملها. كان الأجدر رفع مرتباتهم وإصدار قوانين حاسمة تُجرم الدروس، حتى لا تهتز هيبة ومكانة المعلم، ولكن لكى تُسقط دولة، فما عليك إلا أن تسقط الصحة والتعليم، وإذا كان التعليم يتمثل فى المعلم بالدرجة الأولى –  الرمز والقدوة – فعليك أولًا إسقاط المعلم، وقد كان!

قرأت عن التعليم فى فنلندا وكيف أصبحت تتصدر المركز الأول على مستوى العالم بعد محاولة ناجحة،
وشاهدت هذا الفيديو فتقزمت واندهشت!

الممنظومة بأكملها تآمرت على قتل الطالب والمعلم معًا، وبالتالى دفن التعليم وتشييعه إلى مثواه الأخير، وحضرنى قول الدكتور مصطفى محمود عن مشكلة التعليم إذ قال: ليس من المعقول أن يكون بالمدرج 5000 طالب، وينتظر أن يفهم أو يسمع  أو أن تكون بينه وبين الأستاذ أية علاقة من أى نوع. أيضًا الاعتماد على التلقين.

والغريب أن الناجح يدخل بالمجان، وأيضًا الراسب، فلماذا الناجح ينجح إذن، وأين التقدير للمجهود والتعب! لماذا يستبعد أوائل الدفعات ليؤخذ بدلًا عنهم أبناء الدكاترة وأبناء كريمة المجتمع، ولمصلحة من؟ لا يمكن أن ندخل العصر دون لغة العصر، حاليًا – وفى عصر التقدم العلمى والتكنولوجيا – الدول تتعلم من خلال الكمبيوتر، للأسف الدول العربية أغلبها تستخدم الكمبيوتر  وكل أساليب التكنولوجيا فى كل شئ، إلا التعليم والثقافة بخلاف دول الغرب
فأين دور الحكومة؟! أين جوهر الحكومة من التسهيل والتيسير  والتخطيط وخلق الفرص للمتفوقين وتمهيد الأسباب والتشجيع حتى لا يهرب المتفوق خارج البلاد ويبقى لنا أنصاف المتعلمين؟

أين ذهبت الملايين التى أنفقت على جودة التعليم، فلم أر من جودة التعليم إلا طلاء الأبنية وتزيينها باللوحات،
حتى كم الكمبيوترات التى زودت  بها المدارس لا يستخدمها الطالب، بل لا يلمسها على الإطلاق؛ فهى عُهدة،
وتخشى المدارس عليها من الإتلاف!

أين مصر منارة العلم والتى كانت ترسل بمُعلميها بصفة دورية إلى كل الدول العربية لينهلوا من علم أبنائها؟

ونذكر بالتأكيد الحضارة الإسلامية والحضارة الفرعونية التي كشفت عن أسرار هذا العلم الذي مارسته بالفعل منذ آلاف السنين، فالآثار التي تم اكتشافها في المقابر والأهرامات، وما وجد مكتوبًا على أوراق البردى، وما كان مرسومًا على الجدران، بالإضافة للأدوات، والمومياوات، فإنها أعطت صورة جدًا قريبة لما كان عليه التعليم في مصر القديم فلم تعد أهمية التعليم محل جدل في أي منطقة من العالم  الان، فالتجارب الدولية المعاصرة أثبتت بما  لا  يدع مجالًا للشك أن بداية التقدم الحقيقية، بل الوحيدة في العالم هي التعليم، وأن كل الدول التي تقدمت، بما فيها النمور اآلسيوية، كان ذلك من بوابة التعليم، ولذا تضع الدول المتقدمة التعليم في أولوية برامجها وسياساتها.

وأن انهيار التعليم يعنى انهيار  الدولة بأكملها مهما كان لديها من إمكانيات وثروات مادية وبشرية

وصدق  من  قال:

وَالعِـلْمُ نُورٌ فَكُنْ بِالعِلْمِ مُعْتَصِمًا *** إِنْ رُمْتَ فَوزًا لَدَى الرَّحْمَنِ مَوْلانا
وَهْوَ النَّجَاةُ وَفِيـهِ الْخَيْـرُ أَجْمَعُـهُ *** وَالْجَاهِلُونَ أَخَفُّ النَّاسِ مِيزَانَـا
وَالْعِلْـمُ يَرْفَـعُ بَيْتًا كَانَ مُنْخَفِضًا *** وَالْجَهْلُ يَخْفِضُهُ لَوْ كَانَ مَا كَانَا
وَأَرْفَعُ النَّاسِ أَهْلُ الْعِلْـمِ مَـنْزِلَةُ *** وَأَوْضَعُ النَّاسِ مَنْ قَدْ كَانَ حَيْرَانًا

فيحب أن يوضع فى الاعتبار قدرات وإمكانية الطلاب ووضع كل طالب حسب مستواه وإمكانياته، بل يجب على الأسرة أولًا وقبل الحكومة أن تحدد قدرات أبنائها، ويؤخذ فى الاعتبار  الفروق الفردية، فليس كل أبنائنا لهم قدرة واحدة، وليس من الضرورى أن يحصل كل الأبناء على التعليم العالى، ولكن المهم أن يكون ناجحًا فى مجاله.

وفي ظل حالة الهزيمة النفسية التي تعيشها الأجيال الجديدة اليوم، نحتاج للتذكير بما كانت عليه حال أمتنا من رفعة وعزة يوم كنا مستمسكين بديننا أولًا، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

 حتى أقمنا حضارة من أكمل وأسمى الحضارات في تاريخ البشرية، سواء على مستوى الفكر  والعلم والقيم أم على مستوى البناء والعمران، إن التذكير بماض هذه الأمة ليس الهدف منه البكاء والنحيب أو لتمجيد الذات، وإنما الهدف منه إعطاء صورة حقيقية عن هذه الحضارة التي كانت تشع النور، وتبعث الحياة على مدار قرون مضت تحفيزًا وشحذًا للهمم لإعادة بناء هذا الماضي مرة أخرى، وحتى لا نقع في داء الأمم في وقت المحنة والهزيمة، ولا نقع فريسة فى أيدى أعدائنا، إننا نملك مقومات النهوض من جديد، وأن ما تحياه أمتنا اليوم ليس هو الأصل، بل هي حالة استثنائية في تاريخنا.

فيجب أن نصطف من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، ولابد من الثواب والعقاب ومن التقدير والتشجيع، ولابد من وجود  القدوة والرمز فهى بمثابة البوصلة فإذا فقدنا البوصلة تاه الدليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد