أي حدث أو خبر لا يحظى باهتمام المتلقي أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام، وفي هذه الأيام يتكون لدى المتلقي انطباع عن هذا الحدث يتحول إلى قناعة ووجهة نظر. وحوادث الطيران التحقيق فيها يستمر شهورًا ولن يستطيع المتلقي أن يؤجل انطباعاته عن الحادث حتى يعرف نتيجة التحقيقات، ولكنه يكون رأيه عن الحادث من خلال التعليقات والتصريحات التي تصدر في الأيام الأولى وهي الفترة الأهم في عمر الحدث، والتي تركز فيها كل الأطراف المعنية بالحادث والمتأثرة به قوتها وإمكانياتها لتوجيه الرأي العام في الاتجاه الذي يخدم مصالحها بغض النظر عن الحقيقة التي ستسفر عنها نتائج التحقيقات، فما يهم هو الأيام الأولى والانطباع لدى المتلقي الذي يمثل الجمهور والزبائن لتلك الجهات.

وفي حالة الطائرة المصرية كان هناك تفسيران للحادث، الأول أنها سقطت نتيجة خطأ فني وهو أمر ستتحمله شركة مصر للطيران وحدها وسيوقع أضرارًا كبيرة بالشركة وحركة الطيران إلى مصر، أما التفسير الآخر فهو أنها سقطت نتيجة زرع قنبلة وضعت في مطار شارل ديجول وهذا سيوقع أضرارًا كبيرة ليس بمطار شارل ديجول وفرنسا فقط ولكنه وعلى حد وصف الإندبندنت، سيفقد العالم الثقة في حركة الطيران ككل، لأن الإجراءات الأمنية في شارل ديجول هي نفسها الإجراءات في كل مطارات العالم الكبرى، وفقد الثقة في مطارات فرنسا هو فقد للثقة في كل مطارات العالم، وبالتالي فإن الخاسر في هذا السيناريو هو فرنسا والدول الكبرى وشركات الطيران العالمية كلها.

قاد هذا التحالف من الدول الكبرى وشركات الطيران العالمية حملة ناعمة وسلسة، لإقناع الرأي العام الغربي أن الطائرة سقطت نتيجة إهمال من قبل شركة مصر للطيران، وحاولوا إبعاد سيناريو عمل إرهابي اخترق مطار شارل ديجول، ولكنهم فعلوا هذا بشكل غير مباشر حتى لا يشعر المتلقي أنهم أصحاب مصلحة في فرض سيناريو على آخر فيفقد ثقته فيهم بوصفهم طرفًا محايدًا، كما حدث مع الوزير المصري الذي قال إن سيناريو عمل إرهابي هو سيناريو جميل، بينما سيناريو عطل فني سيناريو وحش.

لقد بدؤوا حديثهم بطرح كل السيناريوهات، ولكن شيئًا فشيئًا أصبحت كل أخبارهم وتصريحاتهم تعزز من سيناريو الإهمال، أحاديث عن تهالك الطائرة، أخبار عن قيام الطائرة بأكثر من رحلة في يوم واحد، حديث عن حريق على متن الطائرة ومشكلة في النوافذ. كل هذه الأخبار التي خرجت من خلال تصريحات رسمية لمسئولين كبار تلقي انطباعًا لدى المتلقي أن الطائرة سقطت نتيجة إهمالٍ المسئولة عنه شركة مصر للطيران، وتبعد عن الأذهان سيناريو القنبلة الذي سيورط فرنسا ويضر بمصالح شركات الطيران الكبرى.

وفي الوقت نفسه فإن مصر لم تقدم أي شيء يذكر لتسويق السيناريو الذي يخدم مصالحها. كان يجب على مصر أن تشكل خلية أزمة لإدارة الحدث إعلاميًا، يكون هدفها توجيه الرأي العام بعيدًا عن سيناريو العطل الفني ومسئولية مصر للطيران، من خلال مجموعة من التصريحات لكبار المسئولين في الدولة – رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، وزير الدفاع، وزير الخارجية، وزير الطيران – لأن تلك الشخصيات عندما يدلون بتصريحات فإن الصحف العالمية تصبح مجبرة على نشر تصريحاتهم – حتى وإن كانت عكس توجهاتهم – مما يجعل وجهة نظرنا تصل إلى المتلقي الغربي، بينما المصادر المجهولة التي تنشر صحفنا الأخبار نقلًا عنها فإنها لن تسترعي اهتمام الإعلام الغربي وتظل تخاطب الداخل المصري فقط. كان يجب أن تصدر تصريحات مدروسة ومخططة من كبار المسئولين في الدولة ترجح دائمًا وبشكل غير مباشر فكرة وجود عمل إرهابي، مثل الإعلان عن الاشتباه في أن القنبلة زرعت في المكان الفلاني في الطائرة، أو تصريح يتحدث عن الاشتباه في أحد الركاب أنه هو الذي حمل القنبلة إلى داخل الطائرة، ثم بعد ذلك يتم نفي الأمر، ولكن هذا التصريح وحتى بعد نفيه سيرسخ في الأذهان فكرة العمل الإرهابي – أعلم أنه تصرف غير أخلاقي ولكن هذا ما حدث في أكثر من حادث – كان من الممكن أيضًا أن نركز على السيناريو الذي طرحته جريدة المصري اليوم، بأن الطائرة دخلت في منطقة مناورات جوية تجريها إسرائيل. إن عدة تصريحات من مسئولين كبار من نوعية أن مصر تبحث في احتمال أن الطائرة سقطت بالخطأ بواسطة طائرات إسرائيلية، أو تصريح يؤكد أنه كانت هناك مناورات إسرائيلية في تلك المنطقة بالفعل، وأن احتمال سقوط الطائرة في تلك المناورات قائم، وتصريح آخر يقول إننا أرسلنا إلى إسرائيل للحصول على معلومات تفصيلية عن المناورات التي تمت في تلك المنطقة. تصريحات من هذه النوعية كانت كفيلة أن توجه الرأي العام الغربي بعيدًا عن سيناريو الإهمال من قبل شركة مصر للطيران، وهو السيناريو الذي ترسخ الآن في أذهان المتابعين للحادث، خاصة مع الحملات الساذجة التي أطلقناها في مصر من نوعية مصر لن تسقط، ومصر تتعرض لمؤامرة دولية، وأننا لن نركب إلا مصر للطيران. كل تلك الحملات لا تعني إلا شيئًا واحدًا؛ وهو أننا مقتنعون تمامًا أن الخطأ في مصر للطيران وأننا نسعى لمعالجة تداعياته.

لقد كانت معركة الطائرة المفقودة معركة إعلامية وسياسية أخرى خسرتها مصر، لقلة الخبرة وعدم التعلم من الأخطاء والاستعانة بأشخاص غير مؤهلين ولكنهم فقط من أهل الثقة والحظوة.ثلغح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد