فصل الخريف الذي تتساقط فيه أوراق الأشجار نتيجة الجفاف والضعف ثم تتساقط واحدة تلو الأخرى حتى ترى الشجرة التي كانت مثمرة ومزدهرة الأوراق خضراء اللون تتحول إلى هيكل خشبي خال من أية حياة – ظاهرة طبيعية نراها سنويًا ونلمس حدوثها – هل تمر العلاقات المصرية العربية بمرحلة الخريف العربي؟ هل تتساقط الدول العربية من الشجرة المصرية بالفعل؟

المملكة العربية السعودية

بعد وفاة الملك عبدالله رحمة الله عليه والذي كان معروفًا عنه دائمًا دعمه ومساندته لمصر وبعد أن جاء الملك سلمان إلى سدة الحكم في المملكة العربية السعودية الشقيقة ثم زيارته إلى البرلمان المصري ثم إثارة لمشكلة الجزيرتين (تيران وصنافير) واتفاقية ترسيم الحدود البحرية وما صاحب هذا الأمر من تراشق سياسي بين الأشقاء، ثم حرب إعلامية شعواء بين الجانبين المصري والسعودي مما كان له عظيم الأثر في إثارة الرأي العام الشعبوي في البلدين الشقيقين، وبعد أن اتخذت المملكة العربية السعودية موقفًا بات هو الأغرب نحو الشقيقة الكبرى مصر وزيارة العاهل السعودي إلى إثيوبيا ودعمه للجانب الإثيوبي في محاولة سياسية للضغط على مصر مائيًا بمداعبة الحكومة الإثيوبية وفتح روافد المال السعودي للاستثمار في إثيوبيا، وباتت التعليقات والتلميحات عن صعوبة الموقف المصري اقتصادية إلى أن وصلت إلى حدود غير مقبولة سياسيًا من دولة المفترض أنها شقيقة وعلاقات دامت طويلًا تحت وحدة شعبية وسياسية بين الدولتين، ثم توقف شحنات أرامكو إلى مصر وتأرجح العلاقات بين البلدين وتصعيد الخلاف إلى دارجة باتت مقلقة من دولة كانت دائمًا داعمة لمصر وحكومتها وشعبها.

وهنا لا نتهم المملكة العربية السعودية بالتقصير ولا نتهم مصر أيضًا، ولكن نشير إلى أن تراجع الدور السياسي لكلا الطرفين والابتعاد عن طاولة للحوار السياسي لتجنب الوضع الذي آلت الأمور إليه الآن كان لابد من جلوس الطرفين على مائدة للحوار السياسي فورًا وعدم ترك الأمر إلى الإعلام الذي أصبح هو من يدير الدفة في طبيعة العلاقات السياسية بين دولتين هما الأكبر عربيًا، ولا أخفي حزني على ما آلت إليه العلاقات المصرية السعودية وكذك ظهور علامات استفهام كبيرة عن الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية الآن في إفقار مصر مائيًا بتحالفها مع قطر لدعم بناء سد النهضة الإثيوبي في حادث مغاير تمامًا لما تعودناه من المملكة السعودية تجاه مصر وشعبها، ونتذكر جميعًا موقف السعودية ودورها في حرب أكتوبر 1973 وقطع إمدادات النفط لمصلحة مصر في الحرب، ومن قبل ذلك مشكلة سوريا والتي اتخذ فيها كل من مصر والمملكة العربية السعودية موقفًا مختلفًا مما كان له أثر كبير في تأرجح وتذبذب العلاقات السياسية بين الدولتين الشقيقتين، وما زلت أتوقع أن الجلوس على طاولة للحوار هو أقصر الطرق لحل كافة المشكلات بين البلدين.

الإمارات العربية المتحدة

لا ننكر أبدًا موقف الشقيقة الإمارات العربية المتحدة في دعمها لمصر على مدار عقود ولكن وبعد تسريبات لولي عهد أبوظبي عن مصر والرئيس السيسي والتي أوضحت القلق الإماراتي من تقديم مساعدات مالية إضافية للجانب المصري والتي بلغت إلى حد مقلق جدًا، ثم الإعلام الإماراتي أصبح يرى الأمور من زوايا مختلفة وأصبحت النبرة أكثر حدة تجاه الحكومة المصرية، ومشكلة العاصمة الإدارية وتداعيات هذا الأمر على علاقات البلدين، والآن لا نعلم إلى أين تتجه علاقات البلدين ويبدو أن الموقف السعودي تجاه مصر قد أثر سلبًا على علاقات مصر بدول مجلس التعاون الخليجي.

السودان

ظهرت على الساحة من جديد  مشكلة مثلث حلايب والتي كانت دومًا تناقش بين الجانبين السوداني والمصري على طاولة حوار وفي غرف مغلقة، ولكن هذه المرة طرحت المشكلة وصاحبها حربًا إعلامية ضخمة بين الجانبين المصري والسوداني وتصريحات للمسئولين السياسيين لم تطفئ النار بل زادتها اشتعالًا، وبالطبع زيارة الشيخة موزة والدة أمير قطر إلى السودان وترويجها لأهرامات السودان ثم الحديث عن الفرعون السوداني ونهاية التلميح بحزمة من المساعدات المالية الكبيرة للسودان ومن ثم الحصول على مباركة السودان وهي الشقيقة الجار الجنوبي لمصر حتى يكتمل مخطط محاصرة مصر مائيًا، وكذلك الحصول على صوت إضافي من دول حوض النيل حول مشروع سد النهضة وحصة مصر المائية، لا أرى مبررًا لما يحدث إلا محاولة من دول الخليج للضغط على حكومة مصر وهذه المرة بالتلاعب معها في قضية أساسية وهي مياه النيل ومحاولة إفقار مصر مائيًا.

أتوقع أن تتحرك الدبلوماسية والإدارة المصرية لحل مشكلاتها مع الأشقاء، ولا أعني تقديم تنازلات ولكن الاحتواء للمواقف الشائكة بات أمرًا واجب الحدوث.

أتذكر خطابًا للرئيس مبارك وكان مشروع سد النهضة يناقش في إثيوبيا كان ما زال حبرًا على ورق، قالها كلمة في خطابه «إن الحروب القادمة ستكون حروبًا على مصادر المياه». صاحب هذا التصريح للرئيس مبارك وقتها تصريحٌ من الحكومة الإثيوبية بتعليق العمل على بناء سد النهضة فورًا  حتى  إشعار آخر، كما أتذكر ما حدث بعد محاولة الاغتيال للرئيس مبارك في أديس أبابا العاصمة الإثيوبية واتهم فيها الجانب السوداني بوقوفه خلف محاولة الاغتيال، تحركت القوات المسلحة لمثلث حلايب على الفور وفرضت السيطرة عليه. لا أتحدث هنا عن حرب ولكن أتحدث عن أفعال تترك انطباعًا لدى الجميع أن مصر ما زالت قادرة ولها هيبتها وعلى الجميع أن يخشى غضب الكبار. هل ما زالت مصر قادرة على الردع؟ هل تنتظر مصر أن تحاصر مائيًا من دولة قطر وهي أصغر من بحيرة ناصر جنوب مصر؟ هل تصمت مصر على هذا التحالف الذي يتلاعب بأمن مصر القومي وحصتها المائية؟ أعتقد أنه آن الأوان لنتذكر جميعًا أننا ما زلنا كبارًا وقادرين على الردع؟ هل يأتي اليوم الذي تدفع فيه مصر إلى قطر للحصول على المياه؟ هل نسمح للأشقاء المحترمين بمحاصرتنا مائيًّا؟

تحياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد