يطرح البشري في مقدمة كتابه (التجدد الحضاري) سؤالًا له موقع هام من حياتنا في السنوات الأخيرة فيتساءل
كيف يمكن أن تجتمع الأمة وإن اختلفت فصائلها وكيف يمكن أن نقيم التوازن في أمتنا وجودًا وحركة؟

هو لا يجيب عن هذا السؤال ولكنه استفاض في أكثر من معنى ودراسة إن اجتمعوا بدا السبب واضحًا ولكني أقصر اقتباسي على جزء بسيط ليس للإجابة عن هذا السؤال وإنما للتنبيه على أن لا نكون ضحية من جديد لسيناريوهات ليس لها أي معنى غير أن تلهو بعقولنا بينما الحكومات تصنع الفساد!

ثم يقول إن أهمية هذا السؤال تبدو وتظهر من التأمل في ما حدث في مصر خلال السنوات الأخيرة منذ يناير 2011، لقد مضت هذه المدة ونحن في صراع حول دينية الدولة ومدنيتها، وتحولت مسألة الديمقراطية التي هي جوهر ما حدث في يناير 2011 من سياقها السياسي ودلالتها الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية إلى سياق أيديولوجي عقدي عن ماهية الدولة وهل هي دينية أم مدنية! والأخطر من ذلك أن تركز الاستقطاب السياسي بين النخب حول هذه المسألة وحدها، حتى كأن البلاد لم يعد لها من مشاكل إلا أن تعرف هويتها.

إن ما حدث في يناير 2011 كان من أجل الديمقراطية في الأساس والديمقراطية هي نظام حكم للدولة ونظام إدارة للمجتمع. والأهم من ذلك هو موضوع صناعة القرار الذي يتعلق بمعالجة مشاكل الأمة وما يهم الجماعات الشعبية في سائر شؤونهم ولقد تكاثرت هذه المشاكل وكثرت وكان من أهمها أولًا: الخروج من حالة الانصياع السياسي لغير الصالح الوطني العام. ثانيًا: تدمير الاقتصاد سواء بتصفية الكثير من صناعات القطاع العام وشركاته أو اتباع سياسات أخرى. ثالثًا: ما اعترى أجهزة الدولة من تفكيك لوحدات البناء التنظيمي بحيث لم يكن قادرًا على الإدارة الرشيدة والكفء.
لقد تركنا كل هذه المسائل واستغرقنا في الحل حول دينية الدولة ومدنيتها وأفضى بنا هذا الذهول عن مشاكلنا إلى تحقيق انتكاسة أساس الثورة الديمقراطية.

إن مسألة دينية الدولة ومدنيتها والتي تثار في هذا الشأن لا تتعلق بالسياسات ولكنها تتعلق بما يعلو هذه السياسات، فهي تتعلق بالوضع الثقافي العام الجامع للقوى كلها. إن المرجعية تتعلق بالأصول الثقافية العامة التي تصدر عنها تصرفات وسلوك الجماعات والأفراد وقراراتهم ونظمهم وحكمهم على الأمور بالخطأ أو الصواب أو بالصحة والفساد، فهي شأن ثقافي عام. ومعنى ذلك أنه عندما جرى الاستقطاب بين القوى السياسية في الأمة خلال فترة ما بعد يناير 2011 إنما يجري على ما يعتبر شأنًا ثقافيًا ولم يجرِ على سياسات الدولة المجحفة الفاسدة الظالمة المراد تغييرها وتنظيمها ولكنه جرى على ما هو فوق تلك السياسات والذي يعتبر شأنًا ثقافيًا، وهذا ما لم تقم ثورة يناير 2011 من أجله. وما أن حدث وأزيح الحكم المتواجد آنذاك لاحظنا إصرارًا إعلاميًا على إبقاء المسألة المثيرة للاستقطاب هي مسألة دينية الدولة ومدنيتها باعتبارهما ضدين لا يجتمعان؛ فجرفت الأنظار عن صراعات التنظيم الديمقراطي وصراعات البناء الاقتصادي وصراعات السياسات الوطنية واشتعل هذا الأمر حتى ما حدث في يوليو 2013 نتيجة لهذا الاستقطاب.

ما أردت قوله أننا في كل مرة نسمح لهم بأن يلعبوا معنا دور Leonardo DiCaprio في فيلم Inception لنكون نحن الضحية منذ قديم الأزل ما أرادته الحكومات لقنته لبعض الدُمى من الإعلاميين ليزرعوه في عقولنا ومخيلاتنا ليجذبونا عن الطرح الرئيس والأمر الهام.

لهذا رجاء تخلوا عن متابعة الدُمى الإعلامية تلك. خذوا أخباركم ومعلوماتكم طازجة من الشارع وحوادثه وأحداثه تعرفوا الحقيقة وتتغلبوا على Leonardo DiCaprio.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد