لاشك أن المبادرات المطروحة على الساحة المصرية الآن من أجل حل الأزمة بمثابة الحجر الذي ألقي في الماء الراكد.. وأنا من حيث المبدأ أؤيد أي تفكير يسعى لحلحلة الموقف الحالي، ويسعى إلى وجود حلول للأزمة التي تعيشها مصر.. وأزكي أي محاولة لإنهاء حالة الانقسام المجتمعي الذي وصل إلى درجة غير مسبوقة. وسأحاول النظر إلى المبادرات، ليس من خلال مناقشة التفاصيل وبنود المبادرات، ولكن من خلال إمكانية التطبيق من عدمه، ثم آلية التعامل المثلى من وجهة نظرى للتعامل مع أي مبادرة.. وكذلك معايير نجاح المبادرات.

هل تمتلك هذه المبادرات مقومات النجاح؟

أي مبادرة لكي تنجح لابد أن تمتلك ثلاث أدوات هامة:

أولًا: رؤية واضحة:

وأحسب أن هذه المبادرات، سواء اتفقنا، أو اختلفنا عليها، تحمل رؤية واضحة ومحددة.

ثانيًا: الإرادة:

وأقصد بها إرادة من أطراف الأزمة للتعاطي إيجابيًا مع المبادرة، ولكي تتوفر هذه الإرادة لدى أطراف الأزمة أرى أنه لابد من وجود قناعة كاملة لدى أطراف الأزمة أنه قد حان وقت التحرك لإنهاء الأزمة.. أما إذا اعتبر أطراف الأزمة أو أحدهما أنه لا توجد أزمة.. أو أن الصراع صفري، وليس تفاوضيًا.. هذا يعنى أن الأجواء غير مجهزة للتعاطي الجيد مع الحلول.. وأن الأمور تحتاج إلى تدخل وسطاء، وإجراء حوار مباشر أو غير مباشر بين أطراف الأزمة لتكوين إرادة قادرة على للتعاطى الجيد مع أي حلول مطروحة من خلال المبادرات.

ثالثًا: إمكانية التطبيق:

أي مبادرة بلا آلية واقعية قابلة للتطبيق على أرض الواقع لن يكتب لها النجاح.. وإذا لم تحتوِ المبادرة على خطوات واقعية مقبولة من طرفي الأزمة، وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.. تتحول إلى آمال.. والمبادرات لم تصنع من أجل الآمال، ولكن من أجل الأعمال القابلة للتنفيذ لإنهاء الأزمة.. المبادرات ليست نوعًا من التفكير الرغائبي، ولكنها عمل يحمل الحلول القابلة للتنفيذ فى حينها.

إذًا فما الحل؟

الحل كما قلت في البداية أن مبدأ المبادرات في حد ذاته هو تصرف ايجابي محمود.. ولكن لابد من مراعاة عدة أمور تساعد على إنجاح أية مبادرة قد تطرح:

أولًا: لابد أولًا وقبل طرح أية مبادرة إجراء حوار مع أطراف المبادرة، والتعرف على طلبات كل طرف والتفاوض بين الأطراف للوصول إلى حلول وسطية تحملها المبادرة.. ولا مانع أن يكون هناك وسطاء لتسهيل هذا الأمر.

ثانيًا: تهيئة من كل طرف لداعميه لقبول مبدأ المبادرة.. وأن الأوضاع تحتاج إلى البحث عن حلول وطرح بدائل.

ثالثًا: اختيار التوقيت المناسب بعد التهيئة والتوافق مع الأطراف لطرح المبادرة.

رابعًا:البحث عن دعم دولي وإقليمي مؤيد للمبادرة بالتنسيق مع أطراف المبادرة ودون المساس بسيادة الدولة.

ولتحقيق ما سبق.. لابد لكل طرف أن يحدد ما هي طلباته.. وما هي ثوابته.. وما هي متغيراته.. وما يمكن التنازل عنه.. وما لا يمكن التنازل عنه.. مع تغليب الصالح العام على المصلحة الخاصة بكل طرف.. مع النظر بعين الاعتبار إلى المتغيرات، سواء على الواقع الدولي أو الإقليمي أو الداخلي.. والاعتبار من تجارب دول أخرى مرت بتجارب انقسام مجتمعي حاد.. وصل في بعض الدول إلى حد الاحتراب الداخلي، ثم أيقنت هذه الدول في النهاية أن الطريق مسدود.. فأوجدت لنفسها الحلول، وانطلقت إلى الأمام بإرادة فاعلة.. وما تجربة جنوب أفريقيا في ذلك عنا ببعيدة.

وتبقى كلمة في النهاية

أي مبادرة من أي شخص، أو جهة، أو طرف لحل الأزمة هو تصرف محمود يشكر صاحبه عليه.. لكن آلية إعداد المبادرة والتهيئة المجتمعية لها.. والتوقيت المناسب مع دراسة التوقعات والدعم الإقليمى يبقى كل ذلك هو العامل الأكثر ترجيحًا لنجاح أي مبادرة.

حفظ الله بلادنا من كل مكروه وسوء، ووفقنا إلى ما فيه الرشاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد