تشهد الساحة المصرية كل يوم تفريغًا جديدًا لمضامين الدين الإسلامي، إذ تطالعنا الصحف يومًا بعد يوم، وحينًا بعد حين بخبر يفرغ الساحة الإسلامية في مصر من أحد مضامينها الأساسية.

ففي أعقاب أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013 اتجهت الحكومة المصرية إلى إغلاق عدد كبير من الجمعيات الإسلامية، التي كانت تقوم بدور جوهرى في التوعية الدينية وتحفيظ القرآن الكريم، وأخيرًا صرح وزير الأوقاف المصري بنيّة الوزارة الجادة لإلغاء مادة التربية الدينية من التعليم العامة، والاستعاضة عنها بمادة الأخلاق والمبادئ.

وقد جاءت بعض هذه الإجراءات والقرارات والتصريحات عقب سلسلة من أحداث العنف والإرهاب، تمثل بعضها في تفجير عدد من الكنائس في القاهرة والإسكندرية وطنطا، والاعتداءات المتكررة على الأقباط في العريش شمالًا والمنيا جنوبًا. وكان الهدف الذى سعت إليه الإجراءات السابقة هو تجفيف منابع الإرهاب، حسبما يراها متخذ القرار من وجهة نظره.

ولكن ما مدى ارتباط الأحداث الأخيرة بالجمعيات الإسلامية عمومًا وبمادة التربية الدينية خصوصًا؟ سؤال قد تشكك الإجابة عنه فى مصداقية بعض هذه الإجراءات وجدواها.

على أننا إذا تركنا هذا السؤال جانبًا، يثور لدينا سؤال آخر على قدر كبير من الأهمية. من سيملأ هذا الفراغ الكبير في قلوب المصريين وعقولهم؟ من سيملأ الفراغ الذى تركته الجمعيات الدينية الدعوية المعتدلة؟ من سيملأ الفراغ الذى سيترتب على إلغاء مادة التربية الدينية من التعليم العام؟

أغلب الظن أن متخذ القرار ليس معنيًّا بملأ هذا الفراغ السحيق، إذ تتجه المؤسسة الرسمية في الدولة، ممثلة في الأزهر الشريف، إلى اعتبار نفسها صاحب الحق في صياغة رؤية المصريين للدين الإسلامى، وهى حريصة على ألا ينازعها أحد في هذا الدور. وبالتالي فهى مطمئنة فيما يبدو إلى سيادتها وسيطرتها على الرؤية الدينية فى الدولة بأكلمها.

إلا أن المتابع للساحة المصرية عن كثب، يتبين له بجلاء أن المؤسسة الرسمية لم يعد لها ذلك الثقل الذي كانت تحظى به في فترات سابقة، عندما كانت تحتفظ لنفسها بمسافة فاصلة بينها وبين الدولة. وبالتالي فإن تأثيرها على المصريين ينتابه في الآونة الأخيرة بعض الضعف، الذي يمنع المصريين من الإذعان التام لتلك المؤسسة الرسمية.

فهل سيملأ هذا الفراغ تلك الوسائل الإعلامية التي تحتفى بالدعاة الجدد وتتيح لهم مساحات كبيرة ما بين مرئية ومقروءة؟ أغلب الظن أن هذه الوسائل لا تسعى إلى ملء الفراغ الإسلامي، بل تسعى فى الأساس إلى إعادة صياغته على أسس جديدة، ويتضح هذا جليًّا فى الهجوم الكاسح الذى تقوده بعض الفضائيات على بعض الثوابت الإسلامية ككتب السنة وكتب المذاهب الفقهية. وبالتالى فإن المتابع لا يمكنه التسليم بأن الفراغ سيملأ على هذا النحو.

إن أخوف ما يتخوف منه المرء أن يصاب الوعى الدينى بالتسطيح والجهل عند أجيال جديدة من المصريين فى السنوات القليلة المقبلة، وبالتالى فإن هذه الأجيال ستكون عرضة لفاعلين آخرين على الساحة العالمية أشد خطرًا على حياة المصريين من أحداث العنف الأخيرة. ولا يخفى على أحد أن هؤلاء الفاعلين الذين نتخوف منهم يتمثلون في الاتجاهات الجهادية التي انتهجت العنف سبيلًا للتعبير عن رؤيتها للعلاقة بين الإسلام والعالم.

وفي ظل انسحاب الدولة من الحياة الدينية للمصريين يصبح هذا الفراغ قاتلًا، إذ تغلق الطرق الواضحة أمام بعض أفراد الأجيال الجديدة الراغبين في الحصول على ثقافة إسلامية عميقة ومتنوعة، وتعمل الثورة التكنولوجية الهائلة ووسائل الاتصال على إنتاج وسائل جديدة تستغلها هذا الاتجاهات العنيفة بمهارة كى تتمدد فى هذا الفراغ العملاق.

إن هذا المقال صيحة نذير بأن تراجع المؤسسات الرسمية عن أداء دورها المنوط بها، وتحجيم الاتجاهات المعتدلة وإدانتها قد يؤدى إلى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها فى القريب العاجل. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المستفيد الأول من هذا الفراع هي الاتجاهات المتشددة التي نحاول جميعًا وقاية أنفسنا من جحيمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد