يتكرر التاريخ حينما نسمح له بالعبور، ونتيح له فرصة العودة.

كانت مصر حينها جزءًا من السلطنة العثمانية في فترة الربع قرن قبيل الحملة الفرنسية، ويليها حكم محمد علي مؤسس مصر الحديثة كما يطلق عليه، لذا لم تعط هذه المرحلة حقها من البحث والدراسة والذكر.

السلطة للوالي العثماني ولكن الحكم الفعلي كان لأمراء المماليك، إبراهيم بك الذي تولى الشؤون الإدارية وشريكه في الحكم مراد بك، الذي تولى شأن الجيش، والحالة العامة في عهدهما لا تزد على وصف الجبرتي: «وانقضت هذه السنة كالتي قبلها في الشدة والغلاء وقصور النيل والفتن المستمرة وتواتر المصادرات والمظالم من الأمراء، وانتشار أتباعهم في النواحي لجبي الأموال من القرى والبلدان وإحداث أنواع المظالم، ويسمونها مال الجهات ودفع المظالم، حتى أهلكوا الفلاحين وضاق ذرعهم واشتد كربهم وطفشوا من بلادهم؛ فحولوا الطلب على الملتزمين وبعثوا لهم المعنيين في بيوتهم فاحتاج مساتير الناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم بسبب ذلك مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عن ذلك.

وتتبع من يشم فيه رائحة الغنى، فيؤخذ ويحبس ويكلف بطلب أضعاف ما يقدر عليه، وتوالى طلب السلف من تجار البن والبهار، ولما تحقق التجار عدم الرد استعوضوا خسارتهم من زيادة الأسعار، ثم مدوا أيديهم إلى المواريث، فإذا مات الميت أحاطوا بموجوده سواء كان له وارث أو لا، وصار بيت المال من جملة المناصب التي يتولاها شرار الناس بجملة من المال يقوم بدفعه في كل شهر، ولا يعارض فيما يفعل في الجزئيات، وأما الكليات فيختص بها الأمير؛ فحل بالناس ما لا يوصف من أنواع البلاء إلا من تداركه الله برحمته، أو اختلس شيئًا من حقه، فإن اشتهروا عليه عوقب على استخراجه، وفسدت النيات، وتغيرت القلوب، ونفرت الطباع، وكثر الحسد والحقد في الناس بعضهم لبعض.

فيتبع الشخص عورات أخيه، ويدلي به إلى المظالم، حتى خرب الإقليم وانقطعت الطرق، وعربدت أولاد الحرام، وفقد الأمن، ومنعت السبل إلاَ بالخفارة وركوب الغرر، وجلت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره، فلا يجد الزبال شيئًا يكنسه من ذلك، واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميتات (…) فإذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه وأخذوه ومنهم من يأكله نيئًا من شدة الجوع، ومات الكثير من الفقراء بالجوع وهذا والغلاء مستمر والأسعار في الشدة، وعز الدرهم والدينار من أيدي الناس (…) واستمر ساحل الغلة خاليًا من الغلال بطول السنة والشؤون كذلك مقفولة وأرزاق الناس وعلائفهم مقطوعة، وضاع الناس بين صلحهم وغبنهم وخروج طائفة ورجوع أخرى، ومن خرج إلى جهة قبض أموالها وغلالها».

كل ذلك والأموال كانت تجبى بالمغازي، فأحرقت قرى وسويت بالأرض، كما حدث لطبلوها والمنوفية ودسوق كفر الشيخ في إحدى مغازي مراد بك، وإذا كانت هذه سنة الأسياد فلا تسل عن الأتباع؛ ففي أحدها اعتدى أحد أفراد «الشرطة» على دار أحد العامة فسرقها وسلب مصاغ نسائهم وفرشهم؛ فاشتكى أهل الحي للشيخ أحمد الدردير؛ فذهب إلى إبراهيم بك فاجتمع بمأمور الشرطة، فكان جوابه «كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بك ينهب وأنا أنهب»، فلم يحاسبه وانتهت القضية.

أما السلطة الدينية فكانت ضعيفة ولا تتجاوز مواقفها إغلاق المساجد والأسواق وإرسال المراسلات والاجتماعات وتنتهي الأمور بالعهود والمواثيق التي تنقض وتحل ككل مرة ربما لشخصية الأميرين التي استخدمت الحيلة والمداهنة والملاطفة عند اشتداد الكرب، وقابله طيبة العامة وتسامحهم ولينهم في التغاضي والقدرة على التعايش مع الظلم، التي يكتسبها المظلوم رغمًا عنه، يشبع بها كرامته المهانة وحقه المسلوب؛ فيتناسى أنه محكوم بالغلبة ومسيس بالحيلة والخداع، تحولت السلطة الدينية إلى سلطة نصح وإرشاد بعد أن كان لها شأن كبير وأمر ونهي مُتبَع ومُطاع؛ فعطلت شرعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأصبحت حاشية للظلم.

كان أول ما توجه به مبعوث السلطان العثماني حسن قبطان باشا المرسل لطرد وقتال الأمراء العصاة والظلمة كما وصفهم السلطان، كان أول سؤاله للشيخ العروسي عندما حضر لاستقباله: لِمَ لم يجتمع أهل مصر لطردهم، وكيف سمحوا لمملوكين أن يسومانهم الظلم والجور ويعيثا في الأرض خرابًا وفسادًا؛ فأجابه العروسي «ولكن كثرة المظالم أضعفت الناس»، فامتداد سنين الظلم لتكون عقبةً عتية في وجه الإصلاح، فلم تستطع فرصة السلطنة لعودة الأمان وانتظام الحياة أن تصمد طويلًا.

نجح السيد حسن قبطان باشا جزئيًّا في مهمته؛ فطرد الأمراء، وصادر أموالهم، وباع جواريهم وممتلكاتهم؛ فهربوا في نواحي مصر واستقرت مصر وعادت تنظم شؤون حياتها، ولكن ذلك لم يستمر، بقي الأمراء يحيكون الخطط للعودة شيئًا فشيئًا بالتحايل، والمراسلات بالشوق للديار والعيال، وتوبتهم وأنهم ظلموا واستنكروا الأوصاف التي وصفوا بها، وعاهدوا بحسن السيرة ونسيان ما جرى، وغيرها من الأمور التي فتحت الأبواب أمام عودتهم؛ فسنين التغير الستة القصيرة جدًا أمام سنوات حكمهم لم تمكن من اقتلاع جذور الظلم؛ فظل أعوانهم في الداخل يهيئون لعودتهم واستمروا هم بترتيب صفوفهم؛ فاجتمع عابدي باشا والي مصر ممثل السلطنة العثمانية بشيوخ الأزهر، والأمراء، وأصحاب الرتب بعد عدة مراسلات جرت بينهم وبين الأمراء الهاربين، وذكر أهل مصر أن هؤلاء قوم بلا ميثاق ولا عهد وقد خذلوكم في مرات عدة، ويجب أن لا تسمحوا لهم بالعودة فتاريخهم مليء بالظلم والجور، ولن يكونوا أحسن مما كانوا عليه، فلا تأمنوهم مجددًا، والخيار لكم؛ فاجتمع الرأي على قتالهم، ثم لم يلبث إلا أن رحل عابدي باشا بالمكيدة، ولم يلبث أمراء مصر الهاربون حتى عاد أمراء مصر فجددوا الديار والنساء واستعادوا مناصبهم شيئًا فشيئًا.

عاد الأمراء، وعاد الظلم ظلمين والجور جورين، ظلم كسابقه، وظلم غذاه الكبر بعد غلبة من وقف ضدهم، فأصبح أعتى جبروتًا وانتقم من كل من حاول أن يمارس حقه في الحياة بعيدًا عن قيد الظلم الذي أبقاهم طويلًا أمراء رغم الجور، وأمراء رغم الدمار والخراب، والناس بلا حول ولا قوة، أنهكها كثرة الظلم كما قال العروسي، لم يعد الأمراء كسابق عهدهم فقط، بل فتحوا الأبواب للمستعمر؛ فكانت أول رسائل بونابرت لأهل مصر أننا أتينا لنرفع عنكم ظلم أمرائكم؛ ولأن السلطنة العثمانية كانت أيضًا مشغولة بنزاعاتها الأخرى؛ فلم تنجح محاولاتها إصلاح الأمر. ولأن جذور الظلم عميقة جدًا كان يجب أن تقتلع وتنتهي كما ناصحهم عابدي باشا، فعادوا بوصف الجبرتي الشاهد والناقل لتفاصيل تلك المرحلة:

«وفي يوم السبت غرة جمادي الأولى عدى مراد بك من بر الجيزة، فدخل إلى بيته وأخبروا عن عثمان بك الشرقاوي أنه رجع إلى رشيد، ثم في رابعه حضر المذكور إلى مصر، وفي ليلة الخميس خرج مراد بك وإبراهيم بك وباقي أمرائهم إلى جهة العادلية، فأقاموا أيامًا قليلة ثم ذهب مراد بك إلى ناحية أبو زعبل، وكذلك إبراهيم بك الوالي وصحبته جماعة من الأمراء إلى ناحية الجيزة، في وقت خروجهم نهب أتباعهم ما صادفوه من الدواب، وصاروا يكبسون الوكائل التي بباب الشعرية ويأخذون ما يجدونه من جمال الفلاحين السفارة وحميرهم نهبًا، فأما مراد بك فإنه لما وصل إلى أبو زعبل وجد هناك طائفة من عرب الصوالحة؛ فنهبهم وأخذ أغنامهم ومواشيهم وقتل منهم نحو 25 شخصًا، بين غلمان وشيوخ، وأقام هناك يومًا وقبض على مشايخ البلد وحبسهم وقرر عليهم غرامة، (…) وأما عرب الجزيرة فإنهم ارتحلوا من أماكنهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عجائب الأثار في التراجم والأخبار ل الجبرتي
عصر محمد علي ل عبدالرحمن الرافعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد