إرهاصات العام 2010 ثوريًّا تحتفظ في قلبي بمكانة أكثر اتساعًا ورحابةً من الهبة في يناير 2011

للقلق، والحس الأمني، والترتيبات السرية، ولحظات الهروب وقع مختلف، ربما هي لذة دفعات الأدرينالين التي كانت تُصب في جسدي مثل المخدر الذي يصب نشوة في جسد المُدمن.

في 2010 كنت ما زلت طالبًا في كلية الآداب، قسم الإعلام، أعمل صحفيًّا متطوعًّا بجريدة محلية «دلتا اليوم»،والقائم على تحريرها عدد من الشباب المنتمي لتيارات سياسية معارضة لنظام الحكم المصري، في عهد «حسني مبارك».

كنت قد بدأت الكتابة مع «دلتا اليوم»منذ منتصف العام 2009 تقريبًا، وفي بداية العام 2010 تمرست في رصد الأخبار الصحافية، وخاصة الإضرابات، والوقفات الاحتجاجية، والنشاطات الحزبية في المدينة النيلية الصغيرة، واتسعت دائرة معارفي الصحفية؛ فأصبحت جزءًا من كل ما سبق.

أصبحت – فردًا هاربًا – ضمن فرق النشطاء التي تهرب في كل الاتجاهات، لحظة فض الوقفات الاحتجاجية، التي لم يكن يزيد عدد أفرادها عن 20 فردًا، كنت صاحب الزاوية الأكثر انزواءً في مقر الحزب الناصري، وحزب التجمع المطل على نهر النيل بجوار مديرية الأمن، ومقر حملة الدكتور «محمد البرادعي»، ونقابة الأطباء لمتابعة النشاطات الحزبية، والاجتماعات التحضيرية للوقفات الاحتجاجية المعترضة على مقتل «خالد سعيد»، والرافضة لتزوير انتخابات مجلس الشعب، والاجتماعات المنسقة لوقفة احتجاجية ما؛ لدعم عمال مصنع الكوكاكولا، أو مصنع الكهرباء، أو السماد، أو أي من تلك الوقفات الاحتجاجية العمالية التي كانت تضج بها المدينة على استحياء.

خضتُ في غمار الأفكار الجديدة، واتسعت دائرة الصداقات؛ «خِضر» من الإخوان المسلمين، وهذا «سويلم» من الاشتراكيين الثوريين، وذاك «خربوش» من الحزب الناصري، مع رفاقه المتعصبين دائمًا تحت قيادته، في تلك الأجواء أُعيد تشكيل عقليتي الساذجة سياسيًّا، أصبحتُ نِصف صحافي ونِصف ناشط.

في الأشهر الأخيرة للعام 2010 كانت الوقفات المعترضة على قتل الشاب السكندري «خالد سعيد» بالمنصورة متكررة، أرتدي الأسود، وأحتج الدقائق العشر الأوائل، وأنا أنظر للنيل في صمت، ثُم أنسحب في هدوء؛ لأوثق بهاتفي النوكيا 95 مشاهد الوقفة، وصور الحضور، والقيادات الحزبية والشبابية من «6 أبريل» وغيرهم، ومن ثَمَّ أنتظر النهاية، ولعل أكثر النهايات العالقة بذهني لوقفات «خالد سعيد» حين حاصرنا الأمن وظل يضيّق نطاق الوقفة الاحتجاجية من أمام النيل إلى أمام مقر حزب التجمع، ومن ثَمَّ مطاردتنا جريًّا إلى داخل الحزب، وإغلاق الباب علينا من الخارج، وفصل الكهرباء تمامًا، تكدسنا عبر السلالم الخشبية العتيقة، حاولنا تدارك حالة الهرج والمرج، مبنى فارغ تمامًا من الزوار والعمال، دخلنا مقر الحزب حيث لا كهرباء ضمن حالة من الهرج، وكل منا يتابع من أحد الشبابيك كيف حاصر الأمن المنطقة، عقدنا غرفة عمليات سريعة وبدأت الاتصالات، ونشر الأخبار عبر «الفيسبوك» استغاثة لإنقاذ هذا العدد الذي تجاوز 25 ناشطًا من الاعتقال المحقق .

حزب التجمع مبنى عتيق مثل مباني وسط البلد بالقاهرة، تقع تحته أكثر المقاهي الشعبية في المنصورة شهرة؛ لما لها من تاريخ أثري بالمدينة إنها قهوة «أندريا» ذلك المقهى اليوناني الطراز الذي بُني في 1920 ليكون؛ تجمعًا لليونانيين،في «أندريا» رائحة التاريخ، والنيل، واحتجاجات الشعب، وآراء الثوريين، والمثقفين والأدباء، والسياسيين،والمكتئبين، ومحبي أم كلثوم، ومن هم على باب الله، بوسعك أن تعتبر «أندريا» هو خلاصة المنصورة في مقهى.

شهد سقف «أندريا» على وقع خطواتنا في الأعلى، كيف كانت أبواب الثورة تُدق من الأعلى، تحمّل السقف تضامنًا خطوات أقدامنا الغاضبة التي تضرب الأرض غضبًا من الحصار،أُظلم «أندريا» في تلك الليلة؛ لأن هناك ثورة في الأعلى، حبسوا النور عن التاريخ في قلب «أندريا» لساعات عدة؛ لأن ثَمة ثوريين تتملكهم الرعونة هربوا للأعلى، تمسك الحاضرون بعبق «أندريا» في الأسفل، وقبعوا يتسامرون في الظلام، وتمسكنا نحن بالثورة في الأعلى.

ظللنا لأكثر من ست ساعات داخل الحزب محاصرين من مخبري أمن الدولة، وقوات الأمن في زي مدني، إلى أن تدخلت قيادات حزبية من القاهرة للإفراج عنّا دون اعتقال على إثر تفاوض بعد أن رفضنا تسليم أحد النشطاء المطلوبين للأمن، نحينا السلسلة الحديدة التي أغلق بها الأمن باب المبنى علينا، وهربنا في طرق متفرقة خوفًا من التتبع.

وكتبت في مذكرتي الصحفية التي أحرقت في ظل جولة ثورية أخرى:

«لا أمن يفلح على أبواب أندريا.. أندريا مع الثورة».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد