منذ أن وقع الانقلاب العسكري في صيف عام 2013 وقع المنظمون للحراك ضد الانقلاب في فخ التواريخ المحددة: فمن تاريخ إلى تاريخ يعلنون فيه أًنه سيكون نهاية الانقلاب المترنح، يخرج النظام العسكرى منه صحيحًا معافى، ويخرج الثوار منه بإحباطات ومرارات، ودماء سالت على الأرض، وشباب تغيبهم جدران المعتقلات.

الثورات لا تأتى بموعد محدد

عبر التاريخ لم تحدث الثورات في تواريخ محددة مسبقًا، كانت أمرًا عفويًّا وغير متوقع من الجميع، نعم لكل ثورة مقدماتها ودوافعها ومؤهلاتها، ولكن الشرارة التي تشعلها تأتي دائمًا بغتة، وتبقى مسؤولية انتهاز الفرصة السانحة لتوجيه الغضب الشعبي واستغلاله في عنق النخب والكيانات المؤثرة.

ولذا فتحديد المواعيد مسبقًا، وتعليق الآمال عليها، يصب في النهاية لمصلحة النظام العسكري؛ لأن صموده وعدم السقوط في الموعد المحدد يعتبر بمثابة هدف يحرزه في مرمى الثائرين عليه، وكل إحباط يصيب الثوار يعتبر خطوة للخلف، وهزيمة نفسية كانوا في غنى عنها.

الثورات عبارة عن مفاجآت، وإذا أردت أن تُفشل مفاجأة، فحدد لها تاريخًا، وربما ظن المنظمون للحراك سابقًا أن شحذ الهمم لموعد محدد كان يدفع بالعمل خطوة للأمام، ولكنهم لم يدركوا أن الإحباط الذي يصيب الشباب بعد تبدد أملهم في التاريخ المحدد يتراجع بالعمل خطوات للخلف.

«اليأس الحقيقي والإحباط الفعلي هو أن تتعلق بأمل كاذب وتاريخ خادع، ثم تتحطم كل آمالك على صخرة واقعة».

الثورات لا تُستنسخ

بالرغم من ارتباطنا العاطفي والوجداني بثورة يناير في أساليبها، وفي روح الميدان الرائعة التي عشناها، إلا أن هناك حقيقة يجب أن نعيها جيدًا، وهي «أن ثورة يناير التي نعرفها انتهت إلى غير رجعة!»

انتهت في ظروف قيامها، انتهت في تحالفاتها، انتهت في النظام الذي قامت عليه، انتهت في المجتمع الذي أفرزها. نحن الآن أمام واقع جديد ومغاير تمامًا لثورة 25 يناير مجتمعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

واقع جديد يفرض أساليب جديدة وأفكار جديدة، تفشل معه طريقة الـ (COPY-PAST) وطالما أن هناك إصرار على نفس الأفكار، ونفس الأساليب المرتبطة بثورة 25 يناير، فاعتبره إصرارًا على العيش في الأوهام أو الصعود نحو الهاوية .

فنظام السيسى الذى قتل الآلاف فى الميادين غير نظام مبارك الذى سقط بالحشد الشعبى فى الميادين .

وتنظيم الإخوان اليوم الذين أرهقهم الاعتقال والقتل والتشريد والانقسام غير تنظيم الإخوان بالأمس الذى كان يعمل بكل طاقته متوحدًا فى ليس له فيها منافس حقيقى .

والنخبة العلمانية اليوم غير نخبة ما قبل 30 يونيو، بل أقول إن تركيبة ونفسية  شعب مصر اليوم غيرها لشعب مصر ما قبل  انقلاب 3 يوليو،  ويمتد الأمر إلى التغيرات الجوهرية فى النظام الإقليمى والنظام الدولى.

الجيش هو العقدة والحل

انتفاضة 28 يناير «جمعة الغضب» كانت هبة  شعبية حقيقية، ومفاجأة للجميع.

ولكن لنكن واقعيين، فيناير نجحت فقط لأن العمود الفقري في النظام، وهو الجيش، تركها تنجح، ولم يتدخل ضدها بآلته العسكرية؛ لأنها في النهاية ستصب في صالحه، وستُفشل مشروع التوريث لجمال مبارك، فهتفنا «الجيش والشعب إيد واحدة»، وكم كنا بلهاء!

فأى نجاح لثورة قادمة لن يتم بغير احتواء وتحييد للمؤسسة العسكرية أو انكسارها أمام قوى الثورة «وهو أمر له أبعاده الخطيرة والمريرة»، بالإضافة إلى التوازن مع الإقليم والمجتمع الدولي بأي شكل من أشكال التوازن.

دولة الضباط  تلفظ أنفاسها الأخيرة

ليس معنى ما سبق أن الوضع الحالي في مصر غير مرشح للتغيير، بل على العكس تمامًا، وكل المؤشرات تصب في صالح التغيير، ووقود الثورة يتراكم كل يوم؛ نتيجة تصرفات النظام الرعناء وأدائه الاقتصادى الفاشل، ولكنه ينتظر الشرارة، لكن كما أتت يناير على غير توقع من النظام والمعارضة والشعب سيأتي القادم أيضًا على غير المتوقع من الجميع.

فكلمة لسائق «توتوك» قام بتشريح الحالة المصرية «بالبلدى» هزت المجتمع والدولة؛ لأنها أتت بشكل خارج التنميط الذى اعتاده المجتمع أو عودته الأذرع الإعلامية عليه فى ثنائية «الإخوان والعسكر».

وكلمة لربة منزل فى سوق الخضار كشفت عورة النظام وأزالت الزخم الإعلامى الممول بالمليارات لتزييف وعى الشعب من خلال الأذرع الإعلامية.

فدولة العسكر تلفظ أنفاسها الأخيرة كدولة لها شكل واعتبار الدولة، وهى تعبر الآن إلى مرحلة العصابة المسلحة التى تجاهر بسيطرتها المباشرة بدون مواربة، وبنظرة عابرة على خطابات السيسى ستعلم حجم الملهاة التي تعيشها مصر على جميع الأصعدة.

سيناريوهات النظام العسكرى  (الإلهاء و الدماء)

كما أن للثورة سيناريو متوقع فإن للنظام العسكرى سيناريو مضاد، ومن أهم عوامل النصر أن تعرف خصمك وتتوقع خطواته، وقد كان أداء العسكر فى الحكم المباشر، وبشكله الفج أكبر الأثر فى خسارتهم لكل ما حققوه بعد 30 يونيو، وهذه أكبر هدية قدموها لمن يريد التغيير بالثورة أو بغيرها بعد أن صار شبه إجماع على فشلهم فى الحكم.

نحن أمام مجموعة من «جنرالات البيزنس» الذين يتعاملون مع الوطن بمنطق «السبوبة»، وأمام حفنة من من البشر تقلدت أعلى وأهم  مناصب الدولة، فمارست القتل الفردى والجماعى بأسلحة الدولة خارج نطاق القانون، وباعت أصول ومقدرات الوطن وثرواته وأراضيه ومياه لتضمن الرضا الإقليمى والدولى عنها،  وبناء عليه فلن يزحزح هذه الطغمة ضغط جماهيرى وحشد شعبى.

بل لا أبالغ إن قلت إن مقولة السيسى «مش هتنفع لينا ولا لغيرنا»، عندما هدد بنشر الجيش فى ست ساعات، ستعتبر شعار المرحلة القادمة، وهم جاهزون بملفات الإلهاء التى ستجهض أى تحرك شعبى وثورى ضدهم..

وبعد فشلهم فى التأثير والتوجيه الناعم من خلال أذرع الإعلام والحشد للمشاريع القومية الوهمية، لذلك ومن المتوقع أن يتم التوجه للتأثير الخشن. فالعسكر جاهزون بملفات الإلهاء التى ستجهض أى تحرك شعبى وثورى ضدهم.

فالملف الطائفى الساخن مطروح على الطاولة، ويعرفون كيف يشعلونه، وملف «داعش» التى تخرج عندما يحتاجها النظام أيضًا متوقع ظهوره، وربما لو تمدد السخط الشعبى، فلا تستبعد أن ترى على شاشات التليفزيون الرسمى مجموعة من الأشخاص الملثمين الذين يرفعون راية «العُقاب» السوداء فوق أحد أبنية ديوان محافظة ما، ويعلنون بيعتهم للخليفة البغدادى، وبعدها تخرج طائرات «الرافال»؛ لدك معاقل الإرهاب فى تلك المحافظة (والثوار من ضمن من سيتم دكهم بالطبع).

ثورة الغلابة ( 11- 11)  هل هى حقيقة أم وهم؟

لا أدعى علمًا ببواطن الأمور، فأزعم  أن وراء هذه الدعوة  أجهزة مخابراتية،  وأنها من تدبير النظام نفسه، كما لا أتهم الداعين إليها بأنهم هواة لاقت دعوتهم رواجًا، كما لاقت دعوة التظاهر فى 25 يناير 2011 من قبل.

ولكن بعد القرارت الاقتصادية المريعة فى مطلع هذا الشهر نوفمبر 2016  من تخفيض لقيمة العملة بمقدار النصف، ورفع قيمة المحروقات بما يقرب الــ 50%، فقد أرسل النظام رسالة يقول فيها «إنه لا يخشى غضبة الجماهير أو سخط الشعب»، بل إن توقيت هذه القرارت مريب لدرجة تجعل المراقب يظن أنها استفزاز ودعوة للنزول للتظاهر يوم «11-11 ».

هل يخطط النظام العسكرى لمقتلة عظيمة ومذبحة مريعة ليرسخ فى الوعى الشعبى أنه لا أمل فى أى تحرك جماهيرى للمطالبة بالتغيير؟ ربما، ولا أحد يمكن يتوقع ما يمكن أن يفعل هؤلاء.

الثورة المرتقبة لن تكون كلاسيكية «شعب ضد شعب»

القرارت الاقتصادية الأخيرة هى سحق للطبقات الفقيرة ومحق للطبقات المتوسطة بدون أى برامج إنمائية أو اجتماعية تستوعب وقع هذه القرارت على القطاع الذى يمثل أغلبية الشعب الكاسحة، بما يعنى أنها سياسة حكومة لا تقيم لشعبها وزنًا.

ربما لن يستطيع أحد الثورة على الجيش ومواجهة أسلحته الثقيلة، ولكن الوضع بالفعل قابل للانفجار، وربما ما أخشاه ويخشاه غيرى هو أن يكون الانفجار موجهًا للحلقة الأضعف، وهى الشعب نفسه.

فماذا تتوقع من قطاع من الشعب يسكن فى حى معين  أصبح فى عمومه لا يجد ما يسد به رمقه، وعلى بعد خطوات منه حى يسكن به قطاع من الشعب يقود سيارات فارهة ومعاناته فقط فى سداد أقساط المدارس الدولية التى تبلغ الآف الدولارات ، يكفيك فقط لاستيعاب هذا المشهد أن تعرف أن الفاصل بين حىّ الزمالك الراقى وبين حىّ إمبابة الشعبى هو النيل فقط.

فهل يريد النظام العسكرى ثورة للفقراء من الشعب على الأغنياء من نفس الشعب؟ بمعنى هجوم الأحياء الفقيرة على الأحياء الأكثر غنى نسيبًا؛ ليتركها فوضى تشتعل لحين من الدهر، ثم يتدخل لقمع الفوضى وتحقيق مطلب الأمن الذى سيصبح المطلب الأعز لدى جميع الناس فى وقتها، وبالتالى سيبتلع الجميع ألسنتهم ولا يفكرون فى أية مطالبة بزوال الفساد أو إزاحة الظلم.

«حفظ الله أهلنا بجميع أحياء مصر»

إذن ما شكل القادم؟

القادم لا يمكن أن يتوقعه أحد، لكن الدلائل تشير على أنه قادم، ربما سيكون ثقبًا أسود يبتلع الجميع، أو طاقة من النور يسعد بها الجميع، ربما سيكون أسوأ، أو ربما سيكون الأفضل لشعب يئنّ منذ عشرات السنين تحت نير الحكم العسكرى، لا يمكن لأحد أن يتنبأ بشكل القادم.

ويبقى النصر متوقفًا على مغالبة الواقع، ومدافعة الظلم والخلاص نحو الحرية، وسعي الراغبين في التغيير، وتضافر جهودهم واستيعابهم لطبيعة النظام الجديدة، وعدالة مطالبهم، والتفاف الشعب حولهم، وقبل ذلك انتصارهم في معركة الوعي أولًا قبل معركة الشارع.

ولا يجب إغفال العامل الإقليمى والدولى، وأظنه لم يعد فى صالح النظام العسكرى كما كان، وذلك بعد مواقفه المخزية من بعض حلفائه الخليجيين وارتمائه في أحضان الروس، ومن خلال هذه الثغرات يمكن إحداث تأثير لصالح التغيير.

فلا تتعلق  بتاريخ محدد، ولكن ابذل ما في وسعك على أي صعيد تجيد البذل فيه، فبجهد هنا وبذل هناك تتجمع القطرات؛ حتى تصبح مثل السيل الذي سيجرف هذا الكابوس الذي نحياه منذ وقع الانقلاب فى الثالث من يوليو 2013.

ولعل أهم العوامل الحاسمة هى السنن الربانية فى الظالمين حيث إن طغيان العسكر بمصر قد بلغ حدًّا غير مسبوق من تجرؤ على سفك الدماء وسجن الأبرياء وتوزيع جائر لثروات الشعب، كل ذلك يصب في صالح التعجيل بزوال هذا النظام. لأن الله ربما يملى للظالم، لكن إذا أخذه لم يفلته.

«فالإمهال الذي يمنحه الله للظالمين محدد المدة وزوالهم سنة إلهية،  ولكن  متى وكيف؟ ذلك تقدير الحكيم العليم»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد