هل تعلمون، أصدق مبارك حين قال أنه لم يأمر بإطلاق النار، ليس لنقائه ولا لصفاء سريرته ولكن لأنه كان في موقف لا يسمح له بفعل ذلك بهذا الأسلوب الفج، فقد تولى الأمر عنه صندوق العسكر الأسود، فقام بتغذية روح كراهية الجمهور له من خلال إسقاط مزيد من القتلى بحيث يصل الناس إلى قناعة تامة بوجوب عزله.

استمرت تعزيزات الجيش، ومع أول تحليق لمروحياته فوق الرءوس، أدركت أن الوحش بدأ يلقي بظلاله عليها، فزادت أعداد المتظاهرين مع زحف من المحافظات لتلبية دعوات لمليونية تطالب بتنحي مبارك.

في اليوم السابع للثورة، أدي أحمد شفيق اليمين الدستورية ودعا عمر سليمان كل القوى السياسية، وبتهديد شديد اللهجة خاطب الاخوان داعيا إياهم للحضور للاتفاق على اصلاحات دستورية بتوقيتات محددة .وتعتبر هذه اللحظة كاشفة في عمر الثورة، فمن هنا بدأ الانقسام وليس بعد الاستفتاء أو موقعة محمد محمود كما يشاع. بدأ النزاع الخفي بين فريقي الثورة الذي ضبط تردده العسكر على موجات اليسار، ومن ثم أذاعه وغذاه من خلال اتهامات للاخوان بخيانة الثورة وعقد الصفقات مع المجلس العسكري.

كان العالم يضغط بكل ما أوتي من حيل بوقف رحلات واجلاء عملاء وتحذير سفارات ومطالبات للنظام بالتسليم، ومن خلال وكالات اعلامه التي تقوم بعملية شحن للجماهير حتى امتلأت ميادين محافظات مصر بعد ان كان الأمر يقتصر على القاهرة والسويس والاسكندرية، وفي نفس الوقت، كان الطرف الثالث ومخابراته يعملان بشكل منظم، حيث تتوقف القطارات، وتشل حركة المواصلات فتتوقف المصانع وإمعانا في إتقان الدور ينضم عدد من الضباط إلى المتظاهرين في مشهد مؤثر ليجد الشعب في جيشه ينبوعًا من الحنان.

في اليوم الثامن للثورة، خرج مبارك إلى الشعب في خطاب مؤثر خير فيه الشعب الخيار الأبدي بين الاستقرار والفوضى، وتمنى على الثوار أن يمهلوه حتى ينهي فترة رئاسته ويعد خلالها باستعادة الأمن ومحاسبة من تسببوا في الفراغ الأمني ومراجعة مادتين في الدستور وأن حكومته الجديدة سوف تتجاوب مع مطالب الشباب، وبالطبع قوبل هذا الخطاب بالرفض من قبل القوى الثورية التي تعلم أن العودة خطوة واحدة للوراء تعني السقوط في جحيم النظام المستعر.

في اليوم التاسع، دعا الجيش إلى مغادرة الشوارع وجرى تقليص عدد ساعات حظر التجوال. بعد خطاب تاريخي لمبارك جرف مشاعر العامة مع سيل دموع اعلاميين متعاطفين؛ كسب النظام نقطة غالية لولا خروج مظاهرة مؤيدة اقتحمت ميدان التحرير بالجمال والخيول والأسلحة البيضاء وزجاجات المولوتوف لتدور معارك دامية بينها وبين الثوار. قيل أن من دبر معركة الجمال هو من قام رئيس اليوم بمصالحته على اعلامي رياضي وحارس مرمى شهير في بداية حكمه. في رأيي المتواضع، لم يكن نظام مبارك بالغباء الذي يجعله يدبر معركة كهذه مباشرة بعد أن تعاطف الناس مع خطابه وكادوا يقسمون عليه بكل غال أن يحكم مصر مدى الحياة، فهذا فعل ينهي كل أمل له في البقاء في السلطة. إذًا فالمستفيد هو من يريد لمخطط الانقلاب أن يكتمل وأن يسقط مبارك، وقد كان. فبعد هذه المعركة، صار وجود مبارك على سدة الحكم أمر مستحيل. كان مشهد إقبال مظاهرة المؤيدين على الثوار مرعبا، وكأنها لحظة ارتطام موجتي بحر في اعصار شديد، في حين وقف الجيش الجرار حامي الحمى ملتزمًا ظاهريًا بالحياد، هذا الجيش الذي أزال اعتصامات رابعة والنهضة بالجرافات وأحرق مستشفى رابعة بمن فيها، وطارد مظاهرات حاشدة بطول مصر وعرضها وقتل وقنص بدعوى حفظ الأمن والقضاء على الإرهاب، وقف ملتزمًا بضبط النفس!

في هذا اليوم ظهرت لأول مرة النوايا الجادة لدفع مصر لحرب أهلية، وتكررت بعدها المحاولات مرات عدة ولم تفلح، إلى أن ظهر اللهو الخفي بعد الانقلاب ليعلن فشله في تنفيذها من قبل ويطلب تفويضًا من شعبه ليقوم بالعمليات القذرة بالوكالة.

في اليوم العاشر، طالب البيت الأبيض السلطات المصرية بتسليم سلمي للسلطة، ولم لا  فقد وصلت الفوضى الخلاقة إلى الهدف المرجو. حاول النظام المصري التماسك باتخاذ عدة اجراءات بمنع سفر بعض الوزراء ورجال الأعمال واكد صغير مبارك أنه لا ينوي الترشح للرئاسة.

في اليوم الحادي عشر، تتجدد الاشتباكات بين مؤيدي مبارك وبين المعتصمين بميدان التحرير، ولكن هذه المرة يحول الجيش بينهما، فمخرج الانقلاب الأول حريص على استكمال الفيلم وزيادة مشاهد الحركة للحفاظ على مزيد من الإثارة.

في اليوم الثاني عشر، جاء السؤال من النظام مباشرة: عندما أريد الحوار، مع من أتحدث؟ تلك التفصيلة من الحكاية تجمل قصة الثورة، فالرأس التي طالما تفاخر بعدم وجودها الثوار هي التي كانت يجب أن تنطق في تلكم اللحظة، ولأنه لم يكن لهذه الثورة قطزا يتحدث باسمها، قرر اليسار عقد لجنة لحكمائه كانت أول من طالب العسكر بأن يؤدي دوره الوطني وأن يعيد إدخال نفسه كمكون سياسي ليحمي ثورة يفترض أنها قامت ضد نظام، الجيش هو أحد مكوناته! وما أشبه 30 يونيو (حزيران) 2013 بـ4 فبراير (شباط) 2011، فكلما شعر اليسار بالتهديد، استدعى العسكر ليتصدى بالنيابة عنه، ليؤكد أن ناره أحب إليه من جنة يحكمه فيها الآخر، رفيق الثورة.

في اليوم الثالث عشر، وبعد التهديد، عقدت جلسات للحوار من قبل النظام مع المعارضة بمن فيهم الإخوان وتوافقوا على حزمة من الإصلاحات الدستورية والتي قابلها حراك يناير بالرفض، فقد صنعت هذه الثورة لتزيح مبارك لا لتصلح ما أفسده.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد