في أوقات المحن وعندما تضيق الحياة بالإنسان فإن ذلك لاشك ينعكس مباشرة على طريقة تفكيره، وبالتالى على قراراته التي يتخذها في ظل الأزمة.. ويؤثر ذلك مباشرة على طريقة إدارة الإنسان للأزمة أو المحنة، وأيضًا على تداعيات الأزمة على حياة الإنسان.

إلا أن هناك نوعًا من التفكير ينتشر بكثرة في أوقات المحن.. ولخطورة هذا النوع من التفكير أردت أن ألقي الضوء عليه، وعلى تداعياته.. هذا النوع من التفكير هو ما يسمى بالتفكير الرغائبي، أو التفكير الانحيازي، أو التفكير الأحادي، وكلها تدل على نوع واحد من التفكير.. فما هو التفكير الرغائبي؟

التفكير الرغائبي

هو ذلك النوع من التفكير الذي يجعلك لا تفكر بحسب الوقائع الموضوعية التي أمامك، بل بما تشتهي وترغب أن ينتهي عليه الأمر، أي تفكر تفكيرًا منحازًا لرغباتك.. وهذا النوع من التفكير يأخذك إلى السماع الرغائبي قياسًا على التفكير الرغائبي.. وهو يجعلك تريد أن تسمع الكلام الذي يسرك، وليس الواقع كما هو.. وهذا النوع من السمع يجعلك تجهل وعن عمد وقائع هامة أخرى موجودة، وتبلغ الخطورة مداها على هذا السمع الرغائبي؛ فتصبح قائمة على حيثيات غير حقيقية، وبالتالي تأخذك إلى نتائج غير حقيقية أيضًا.. والتي قد تكون مؤذية لك.

خطورة هذا النوع من التفكير

وخطورة هذا النوع من التفكير أنه يصيب بعض القطاعات المعارضة وبعض النشطاء السياسيين المعارضين من مختلف الاتجاهات، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية.. ويؤدي ذلك أحيانًا عند بعض الإسلاميين خاصة إلى الاستغراق في عالم الرؤى والأحلام.. وقد يؤدى ذلك إلى الارتكان إلى عنصر الزمن وفقط من أجل انتظار حل الأزمة دون الأخذ الجيد بالأسباب والسعى للوصول إلى حلول للأزمة.

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

إن هذه الآية الكريمة (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) هي خلاصة العلاج المطلوب للتصدي لهذا النوع من التفكير.. فمهما تمنى الإنسان ومهما رأى في منامه، فإنه إذا لم يسع ويجتهد ويأخذ بالأسباب ويدرس الواقع على حقيقته ويضع تصورات حل الأزمة مع الاستعانة بأهل الخبرة والعلم في مجال المحنة، إذا لم يسع الإنسان لذلك فإنه حتمًا لن يصل إلى ما يريد، وهذه من قوانين وسنن الحياة، وكما قال الشاعر أحمد شوقي:

وما نيل المطالب بالتمنى … لكن تؤخذ الدنيا غلابًا
وما استعصى على قوم منال … إذا الإقدام كان لهم ركابًا

ولذلك لابد للإنسان أن يكون منطقيًا وواقعيًا في تفكيره من أجل أن يوازن بين ما هو مطلوب وما هو متاح.

الطريق من هنا

إن دراسة أسباب حدوث المحنة أو الأزمة وتحديد الأخطاء التي أدت إليها ورصد تداعيات الأزمة وتحديد أفضل السبل المتاحة لحل الأزمة، ثم وضع رؤية وتصور يعتمد على الواقع والمنطق مع الحفاظ على الثوابت والمبادئ التي لا يمكن التنازل عنها، ثم بعد ذلك حسن الاستعانة بالله مع عمل تقييم كل فترة زمنية لما هو مستهدف وما قد تحقق، ودراسة الأمر إن كان يحتاج إلى تعديل أو تطوير للمسار والوسائل، أو إدخال تعديلات قد تفرضها مستجدات، كل ذلك هو الطريق الحقيقي للسير نحو التعامل الجيد والصحيح لتجاوز الأزمة أو المحنة.

ويبقى الأمل مع الأمل

وقد يظن البعض أن كلامي هذا يجعل الإنسان بلا أمل أو طموح أو بشرى، وخاصة إذا كان الواقع سيئًا، وهذا ما لم أقصده إطلاقا، بل إننى أعتقد أن أفضل بشرى وأمل وطموح للإنسان أن يجد نفسه يسير وفق رؤية وأهداف مبنية على دراسة وتقييم، عند ذلك يصبح حسن الأخذ بالأسباب مع الاستعانة بالله هما أفضل أمل للإنسان بزوال المحنة، وبذلك يرتبط الأمل بالعمل، وصدق الشافعي:

بقدر الكد تكتسب المعالي .. ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا بغير كد .. أضاع العمر في طلب المحال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد