«لو شاءت إرادة الله أن أكون في ذلك الموقع، إن شاء الله سيكون أمرًا له العجب». هكذا قال السيسي ضاحكًا، فضحك معه وائل الإبراشي، وخالد صلاح، ولبنى عسل.

كان ذلك خلال حوار أجراه منذ أكثر من سنتين على قناة «النهار»؛ تمهيدًا لترشحه للرئاسة رغم أن حسنين هيكل -رحمه الله- ومحمد البرادعي، وحتى قائد الانقلاب العسكري نفسه قد أكدوا بعيد عزل الرئيس محمد مرسي أنّ لا رغبة للجنرال في حكم مصر.

مرّ عامان، وها أنّ كلام قاتل أسماء وحبيبة يُطَبَّقُ حرفيًّا، فعلًا، نحن نرى العجب العجاب، فمصر تحت حكم العسكر قد صارت أشبه بفيلم حزين من أفلام السبكي، فيلم تملؤه مشاهد البلطجة والدّماء والظلم والقهر، وصرنا نشاهد يوميًّا صورًا سنيمائية من إخراج السيسي، فذاك صبيّ في المحكمة يلتقط من خلال هاتف جوّال صورة لقاتل والده. وتلك أمّ تقبّل من وراء القضبان يد ابنها الذي فقد نصف وزنه، وأخرى ترفع رضيعًا أنجبته حديثًا على أمل أن يراه والده القابع في قفص الاتهام، وزوجة ترفع ورقة تسأل فيها زوجها «نبيع العفش ولا لأ؟». وتلك فتاة صغيرة، تتحسّس، خلال زيارة والدتها داخل السجن، الأصفاد التي تحول بينها وبين حضن أمّها، وطفلة تبكي وتستجدي عطف القاضي بأن يطلق سراحها، أو يقتلها خوفًا من العودة إلى الزنزانة، فيصرخ في وجهها بأن كفّي عن التمثيل.

 

وراء كلّ صورة من هذه الصور سيناريوهات كتب كلماتها قضاء العسكر وسجونه وضباطه وجنوده، قصص تؤكّد أنّ تسعة أعشار الظلم في مصر، والعشر الأخير يجوب العالم نهارًا، ويبيت ليلته في زنازين السجن الحربي، وبين أزقّة الشيخ زويد، وداخل سيارات الشرطة المصرية..

إحدى هذه السيناريوهات تعود لعبد السلام سيد عبد السلام، شابّ من أسوان تمّ اتّهامه في قضية أنصار بيت المقدس، وأودع منذ أكثر من عام داخل سجن العقرب.

تعيش عائلة عبد السلام سيد في أقصى جنوب مصر، وبالتالي كان التنقّل لزيارته أمرًا ليس بالهيّن؛ فقرّرت الأسرة أن تُرْسِلَ إليه أخاه الأصغر عبد الرحمن السيد، الطالب في كلية الهندسة.

غادر عبد الرحمن منزله قبل يوم من موعد الجلسة وكلّه شوق إلى رؤية شقيقه وإخباره عن دعاء أمه له ليل نهار، ليصل إلى مقر المحكمة العسكرية في طريق السويس على الساعة الحادية عشر صباحًا.

قبل الولوج إلى المحكمة كان على الأخ الصغير أن يعبر الطريق السريع، وحين هبّ بالمرور صدمته سيّارة أردته قتيلًا على جانب الطريق. الدّم يسيل من فمه ووجهه باتجاه المحكمة، أين يقف عبد السلام منتظرًا رؤية فردٍ من أفراد عائلته.

جاءت عائلة الشقيقين لتستلم جثّة ابنها الأصغر من مستشفى الشروق، وعادوا أدراجهم نحو أسوان وعاد سائق السيارة التي اصطدمت بعبد الرحمن إلى بيته بعد أن أخلت الشرطة سبيله، وأمّا عبد السلام سيد فقد عاد إلى زنزانته لا يعلم سبب تغيّب أفراد أسرته عن الجلسة.

بعد أيّام، اتّصلت والدة عبد الرحمن بمحامي ابنها الأكبر لتخبره بأنّ نتائج الطالب المرحوم الدراسية قد ظهرت، وقد حاز شهادة الهندسة.

في نفس اليوم، اتصلت زوجة معتقل آخر بنفس المحامي لكنه لم يتمكن من الردّ عليها، وحين أعاد الاتصال بها أجابه ابنها الصغير متسائلًا: «أيوة يا بابا أنت فين؟ أنت كويس؟».

طالب هندسة آخر، يدعى أبو بكر السيد عبد المجيد، ويبلغ من العمر 22 عامًا، هو أيضًا معتقل بسجن العقرب، لكن بسبب قضية أخرى. يوم جلسته لم يقدر، كما كان يفعل دائمًا، على الوقوف أمام القاضي حتّى أنّ أعوان الشرطة قد أسعفوه بكرسيّ ليجلس عليه.

يومها، وعلى غير عادته، لم ينبس أبو بكر السيد ببنت شفة، فقد كان مستغربًا من معاملة الضباط اللطيفة له، حتى القاضي لم يصرخ في وجهه كما كان يفعل في الجلسات السابقة، ولم يزعزع أرجاء المحكمة بصوته المرعب، يومها ولأوّل مرة لم يثر صوت القاضي خوف المتهم.

في تلك الجلسة لم تُمَدَّدْ فترة حجز الشاب المتهم في قضية مقتل النائب العام السابق هشام بركات، فالقاضي قد أمر بإحالته على الطبّ الشرعي.

قبل ذلك، اقتيد الشاب صاحب الاثنين وعشرين ربيعًا إلى الغرفة المخصصة للزيارات، أين كانت والدته وأخته بانتظاره.

طوال فترة الزيارة لم ينطق بحرف واحد، حتّى صرخات والدته وبكائها لم يقدر على إخراجه من حالة الجمود التي يعيشها، انتهت الزيارة، وعاد المعتقل إلى زنزانته تاركًا خلفه قلب أمّ يحترق تمامًا، كتلك السجائر التي كان جلاّده يتلذذ بإطفائها فوق جسده.

في الصباح الباكر، أفاق أبو بكر كالعادة على أصوات حرّاس السجن الذين دخلوا زنزانته الانفرادية ليس لضربه كما تعوّدوا، هذه المرة غيّروا ملابسه التي كان يرتديها منذ أشهر، تحديدًا يوم قرّرت الشرطة المصرية إلقاء القبض عليه، نزعوا عنه سرواله الذي اتّخذ لون الأسفلت، وقميصه الذي لم يبق منه سوى قطع صغيرة التصقت بجسده بفعل الدّماء، واقتادوه إلى الطبيب الشرعي للتأكد من سبب عدم قدرته على الكلام، وعدم تعرّفه على أمّه وأخته؛ ليروا إن كان الفتى قد جنّ بفعل التعذيب، أم أنّه ما زال قادرًا على تحمّل المزيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد