عجبت لمن يقيم بدار ذل … وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل … بليد ليس يدرى ما طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمًا … وخلِّ الدار تنعي من بناها
فإنك واجد أرضًا بأرض … ونفسك لا تجد نفسًا سواها
مشيناها خطىً كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض … فليس يموت في أرض سواها

هكذا الحياة لا تسير على وتيرة واحدة… فهي تأخذ الإنسان أحيانًا إلى ما لم يكن يخطر على باله ولا يتوقعه في يوم من الأيام.

وأحيانًا يكون الترحال هو أمر حتمي وضروري تفرضه ظروف الواقع.. فيكون السفر والغربة وترك الأهل والأحباب والديار هو الخيار الذي تفرضه الظروف على الإنسان.

إنها الغربة والسفر والترحال بالرغم من الإنسان.. وبحثا عن الأمن والأمان والحياة الأفضل.. ولكن الحياة لا تخلو من المشاكل؛ فهي ليست دار راحة، ولكنها دار مشقة.. فالمغترب ترك بلاده وأهله ليبتعد عن المشاكل لكي يبدأ في مواجهة مشاكل من نوع آخر.. فكيف يستطيع الإنسان أن يعيش في غربته بمشاكل أقل؟

أولًا: استثمر في ذاتك أولًا

قبل أن تبدأ في أي عمل لابد أن تستثمر في ذاتك أولًا من خلال:

1- تعلم لغة البلد الذي تعيش فيه..فلابد أن تخصص من ستة أشهر إلى سنة في التركيز التام والمحدد على تعلم لغة البلد الذي تعيش فيه.. فمن الصعب أن تنجح وتتعايش في بلد لا تتقن لغة أهلها.. بل إن احترام أهل هذه البلد سيزداد لك كلما وجدوا أنك تتحدث معهم لغتهم والعكس صحيح.. فتعلمك اللغة سيقربك من أفكار وعادات وتقاليد أهل هذا البلد.. وهذا يسهل عليك التعايش والتعامل في هذا البلد.

2- احصل على دورات ومعلومات عن المجال الذي ستعمل فيه.. وحدد نقاط القوة ونقاط الضعف في هذا المجال.. وحدد المشاكل المتوقعة والوسائل الأمثل للتغلب عليها.. خذ الوقت الكافي لذلك ولا تتعجل.. لأن ذلك سيجنبك الدخول في مشاكل كثيرة.. وكلما كثرت معلوماتك اقتربت من الصواب.

ثانيًا: كن موضوعيًا في تفكيرك

أرى في الغربة من يبالغ في إظهار محاسن البلد الذي ذهب إليه.. ويبالغ في ذلك مع المقارنة بحال بلده الذي تركه.. أو على النقيض ترى من لا يرى إلا العيوب في البلد الذي ذهب إليه.. والأمر في حقيقته غير ذلك.. فلا النظر بعين الرضا فقط صحيح.. ولا النظر بعين السخط فقط صحيح.

فعين الرضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين  السخط تبدي المساويا

فكن موضوعيًا معتدلًا في نظرك للأمور.. فكل مكان في العالم له خصوصيته.. وبالتالي له مميزات وله عيوب.. فتوسط في نظرتك للأمور.. وتحكم في مشاعرك بلا اندفاع في الحكم على الأمور.. فالموضوعية والعقلانية والتوسط تكسبك حياة متزنة أنت في أشد الحاجة إليها في الغربة.

ثالثًا: إياك والإحساس بالترانزيت

كثيرًا ما يعيش بعض المغتربين إحساس أنه في مرحلة مؤقتة.. وأنه في أرض الغربة كترانزيت، وما هى إلا أيام أو شهور وسيعود حتمًا إلى بلده.. وهذا إحساس يوقف عقارب الساعة للمغترب.. فلماذا يطور الإنسان نفسه طالما أنه سيعود؟هذا إحساس سلبي وخاطئ.. فإذا طالت الغربة إلى سنوات تتحول حياته إلى شقاء معنوي ومادي.. لذلك لابد من التخلص من هذا الإحساس.. اعتبر نفسك مهاجرًا إلى الله.. اجتهد وتعلم وعش حياتك وضع أهدافك واسع إلى تحقيقها.. ولا تنظر متى تعود.. ولكن انظر متى تصل لهدفك وتنجح في الغربة.. حتى إذا سمحت الظروف بالعودة.. تعود أقوى مما كنت.

رابعًا:ستتعب.. ستتعثر.. لكن ستنجح

كن على يقين من ذلك.. ستواجهك عثرات كثيرة.. ستخسر أحيانًا.. ولكن في نهاية المطاف ثق في الله أولًا، ثم في قدراتك.. إنك ستنجح حتمًا.. فما الخبرات التي يكتسبها الإنسان إلا من تجارب وعثرات ومشاكل اكتسب منها خبرة وتغلب عليها.. فحول نقاط الهبوط في حياتك إلى منصات للانطلاق إلى أعلى.. وتذكر دائمًا أن شجرة النجاح والمجد لا ترتوي إلا بالمجهود والصبر.

لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله … لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرَ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد