إن في التاريخ أحداثًا جسامًا جعلها الله تعالى عبرة للمعتبرين، وحتى تكتمل منها العبرة وتتضح فيها العظة فإنه لا بد من توضيح تلك الأحداث وتفصيلها وعرضها عرضًا موضوعيًا حتى لا تخفى العبرة منها على أصحاب النظرات العجلى أو على من ينظرون إلى أحداث التاريخ نظرات قائمة على حسن الظن والستر على مساوئ مهما كانت عظيمة.

ولقد قيض الله للدولة العثمانية أن تحمل لواء الجهاد الإسلامي في شرق أوروبا إبان القرن السابع الهجري، ولم يكد القرن العاشر أن ينتصف حتى دانت كل أمصار أوروبا الشرقية لهذه الدولة، وأصبح البحر المتوسط بحيرة إسلامية بعد أن كان مركزًا للحضارة الهيلينية وارتفع المد الإسلامي في ظل هذه الدولة، وبلغ حدًّا لم يبلغه من قبل في أي حقبة من أحقاب التاريخ الإسلامي، ومن أعظم سلاطين الدولة العثمانية السلطان الفاتح سليم الأول.

ولقد ارتبط اسم السلطان العثماني سليم الأول في التاريخ بمسألة التحول في سياسة الدولة العثمانية تجاه الفتوحات؛ حيث اتجه العثمانيون في الدور الأول من دولتهم إلى الميدان الأوروبي، وحققوا فيه انتصارات مذهلة، توّجها السلطان محمد الفاتح سنة (857هـ = 1453م) بفتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ودرتها المتلألئة التي ظلت حلمًا راود الخلفاء المسلمين منذ بداية العصر الأموي، واتخذها عاصمة للدولة، ثم اتجه العثمانيون بفتوحاتهم نحو الشرق، وكان هذا هو نقطة التحول في سياستهم، وشاءت الأقدار أن تشهد فترة ولاية سليم الأول هذا التحول، الذي كان من أثره أن امتدت رقعة الدولة العثمانية، وأصبحت دولة آسيوية أوروبية أفريقية.

هو تاسع سلاطين الدولة العثمانية وخليفة المسلمين الرابع والسبعون، وأوّل من حمل لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان. حكم الدولة العثمانية من سنة 1512 حتى سنة 1520، وكان يُلقب “بالقاطع” أو “الشجاع” عند الأتراك نظرًا لشجاعته وتصميمه في ساحة المعركة. هذا ولما وصل خبر موت السلطان الغوري إلى مصر انتخب المماليك طومان باي خلفًا له وأرسل إليه السلطان سليم يعرض عليه الصلح بشرط اعترافه بسيادة الباب العالي على القطر المصري فلم يقبل بل استعد لملاقاة الجيوش العثمانية عند الحدود.

فالتقت مقدمتا الجيشين عند حدود بلاد الشام وهزمت مقدمة المماليك واحتل العثمانيون مدينة غزة على طريق مصر وساروا نحو القاهرة حتى وصلوا بالقرب منها وعسكر السلطان بجيشه في أواخر ذي الحجة سنة 922 بالخانقاه المعروفة بالخانكة وفي 29 ذي الحجة سنة 922 الموافق 22 يناير سنة 1517 انتشب القتال بين الطرفين بجهة العادلي جهة الوايلي وفي أثناء القتال قصد طومان باي وبعض الشجعان مركز السلطان سليم وقتلوا من حوله وأسروا وزيره سنان بك وقتله طومان باي بيده ظنًّا منه أنه هو السلطان سليم نفسه ولم تنفع شجاعتهم شيئا بل تغلب عليهم بمدافعه ومدافعهم التي استولى عليها وقت الحرب.

وبعد ذلك بثمانية أيام في يوم 8 محرم سنة 923 دخل العثمانيون مدينة القاهرة رغمًا عن مقاومة المماليك الذين حاربوهم من شارع لآخر ومن منزل لآخر حتى قتل منهم ومن أهالي البلد ما يبلغ خمسين ألف نسمة.

أما طومان باي فالتجأ ومن بقي معه إلى بر الجيزة وصار يناوش العثمانيين ويقتل كل من يأسره منهم لكنه لم يلبث أن وقع في أيدي العثمانيين بخيانة بعض من معه وشنق بأمر السلطان سليم في 13 أبريل سنة 1517 – 21 ربيع الاول سنة 923 بباب زويله ودفن بالقبر الذي كان أعده السلطان الغوري لنفسه.

سياسة السلطان سليم الأول في مصر

وبعد أن مكث السلطان سليم بالقاهرة نحو شهر أقام في منيل الروضة وأخذ في زيارة جوامع المدينة وكل ما بها من الآثار ووزع على أعيان المدينة العطايا والخلع السنية وحضر الاحتفال الذي يحصل بمصر سنويًّا لفتح الخليج الناصري عند بلوغ النيل الدرجة الكافية لري الأراضي المصرية ثم حضر احتفال سفر المحمل الشريف وقافلة الحجاج التي ترسل معها الكسوة الشريفة إلى الأراضي الحجازية وأرسل الصرة المعتاد إرسالها إلى الحرمين الشريفين بقصد توزيعها على الفقراء من عهد السلطان محمد جلبي العثماني وأبلغها إلى ثمانية وعشرين ألف دوكا.

ومما جعل لفتح وادي النيل أهمية تاريخية عظمى أن محمد المتوكل على الله آخر ذرية الدولة العباسية الذي حضر أجداده لمصر بعد سقوط مدينة بغداد مقر خلافة بني العباس في قبضة هولاكو خان التتري سنة 656 هـ سنة 1091 م وكانت له الخلافة بمصر اسمًا، تنازل عن حقه في الخلافة الإسلامية إلى السلطان سليم العثماني وسلمه الآثار النبوية الشريفة وهي البيرق والسيف والبردة وسلّمه أيضًا مفاتيح الحرمين الشريفين ومن ذلك التاريخ صار كل سلطان عثماني أميرًا للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين اسمًا وفعلًا.
هذا وقد جاء بالجزء السابع من الخطط الجديدة التوفيقية للمرحوم علي باشا مبارك بخصوص ما أجراه السلطان سليم الغازي من الترتبات بمصر ما يأتي:

“ولما أخذ مصر ورأى غالب حكامها من المماليك الذين ورثوها عن ساداتهم رأى أن بعد الولاية عن مركز الدولة ربما أوجب خروج حاكمها عن الطاعة وتطلبه الاستقلال فجعل حكومة مصر منقسمة إلى ثلاثة أقسام وجعل في كل قسم رئيسًا وجعلهم جميعًا منقادين لكلمة واحدة هي كلمة وزير الديوان الكبير وجعله مركبًا من الباشا الوالي من قبله ومن بيكوات السبع وجاقات وجعل للباشا مزية توصيل أوامر السلطان إلى المجلس وحفظ البلاد وتوصيل الخراج إلى القسطنطينية ومنع كلا من الأعضاء العلو على صاحبه وجعل لأعضاء المجلس مزية نقض أوامر الباشا بأسباب تبدو لهم وعزله أن رأوا ذلك والتصديق على جميع الأوامر التي تصدر منه في الأمور الداخلية وجعل حكام المديريات الأربع والعشرين من المماليك وخصهم بمزية جمع الخراج في البلاد وقمع العربان وصدهم عنها والمحافظة على ما في داخلها وكل ذلك بأوامر تصدر لهم من المجلس وجردهم عن التصرف من أنفسهم ولقب أحدهم المقيم بالقاهرة بشيخ البلد ثم رتب الخراج وقسّمه أقسامًا ثلاثة وجعل من القسم الأول ماهية عشرين ألف عسكري بالقطر من المشاة واثني عشر ألفًا من الخيالة والقسم الثاني يرسل إلى المدينة المنورة ومكة المشرفة والقسم الثالث يرسل إلى خزينة الباب العالي ولم يلتفت إلى راحة الأهالي بل تركها عرضة للمضار كما كانت”.

ومن هذا الترتيب تمكنت الدولة العلية من إبقاء الديار المصرية تحت تصرفها نحو مائتي سنة. ثم أهملت بعد ذلك القوانين التي وضعها السلطان سليم من حين استيلائه عليها وكانت هي الأساس ولم تلتفت الدولة لما كان يحصل من المماليك من الأمور المخلة بالنظام.

فضعفت شوكة الدولة وهيبتها التي كانت لها على مصر وأخذت البكوات تكثر من المماليك وتتقوى بها حتى فاقت بقوتها الدولة العثمانية في الديار المصرية فآل الأمر والنهي لهم في الحكومة وصارت الدولة صورية غير حقيقية وسبب ذلك إكثارهم من شراء المماليك ولو كانت الدولة العلية تنبهت لهذا الأمر ومنعت بيع الرقيق لكانت الأمور باقية على ما وضعها السلطان سليم.
ولكن غفلت عن هذا الأمر كما غفلت عن أمور كثيرة ومن ذلك لحق الأهالي الذل والإهانة وهاجر كثير منهم إلى الديار الشامية والحجازية وغيرهما وخربت البلاد وتعطلت الزراعة من قلة المزارعين وعدم الاعتناء بتطهير الجداول والخلجان التي عليها مدار الخصب ونتج من ذلك ومن خوف الدولة العلية من تمكن الباشا في الحكومة أن تغلبت البكوات وصارت كلمتهم هي النافذة وانفردوا بالتصرف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

* محمد فريد بك – كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية – دار النفائس ببيروت – الطبعة الاولى 1981-ص 105،106، 107
**د. محمد عبداللطيف هريدي – كتاب الحروب العثمانية الفارسية وأثرها في إنحسار المد الإسلامي عن أوروبا – دار الصحوة للنشر والتوزيع – الطبعة الاولى – 1987.
***أحمد عبدالرحيم مصطفى – كتاب أصول التاريخ العثماني – دار الشروق – الطبعة الثانية – 1986.
*** فائقة محمد حمزة عبد الصمد - أثر الدولة العثمانية في نشر الإسلام في أوروبا –رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي- 1989.
عرض التعليقات
تحميل المزيد