لم يكن يخطر على بال المصريين يومًا أن نهر النيل الذي يُعد أحد نقاط قوة موقع مصر الجغرافي والإستراتيجي في المنطقة العربية سوف يذهب أدراج الرياح بهذه السهولة وبجرة قلم لم يأبَّه لها انقلابيٌّ، اغتصب سلطة الحكم، وأخذ يتسول شرعيته من هنا وهناك، «مصر هبة النيل» مقولة خلدتها واحتفت بها كتب التاريخ واحتضنتها كتب التعليم المصرية تبثها للأجيال جيلًا بعد جيل، واستمرت مصدر فخر واعتزاز على مدار قرون، إلى أن جاء أخرقٌ أحمقٌ وقضى على هذه الأسطورة المصرية بتوقيع غير محسوب، وقرار غير مأمونة عواقبه.

هل أصبح سد النهضة أمرًا واقعًا؟

بعد سلسلة من المفاوضات على مدار سنوات كان مصيرها الفشل دائمًا بين مصر، والسودان، وإثيوبيا، أخذت مصر تتجه في كل حدب وصوب من أجل أن يُخرجها أحد من هذا المأزق التي وضعت نفسها فيه، وكثفت الخارجية المصرية دبلوماسيتها مع عدة دول من أجل الوصول لحل في أزمة سد النهضة بعد توقيعها على اتفاقية المبادئ.

ودأبت مصر في الآونة الأخيرة على التلاعب الدبلوماسي والتلويح بكروت جديدة تجاه الموقف الإثيوبي، ومنها إقامة اتفاقات عسكرية جديدة مع الدول الجارة لإثيوبيا وإجراء العديد من المناورات العسكرية المشتركة مع السودان بجانب إفتتاح عدد من القواعد البحرية.

وخلال افتتاح قاعدة 3 يوليو (تموز) البحرية الأيام الماضية قال السيسي: «إنه لا يجوز أن يستمر التفاوض مع إثيوبيا إلى ما لا نهاية»، كما استخدم مقدم الحفل العميد ياسر وهبة لغة تصعيدية احتفى بها نشطاء مواقع التواصل، حينما قال: «أحيانًا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، لكن على السفن ألا تأمن غضبة الرياح، ورياح جيش مصر رياح رشيدة لا تثور ولا تنتفض، إلا إذا تعلق الأمر بالأمن القومي المصري والعربي، فإنها تتحول إلى أعاصير لا تبقي ولا تذر».

ورغم تصاعد اللهجة المصرية تجاه أزمة السد، لكنها لا تتجاوز حدود التصريحات، ولذلك يخشى الكثيرون أن تؤدي تلك التطورات إلى التعامل مع سد النهضة كأمر واقع، بعد أن فشلت كل أوراق التفاوض والضغط الإقليمي والدولي في الوصول إلى أي اتفاق.

مشكلة المياه بعين النظام المصري

على المستوى الداخلي، لجأت الحكومة المصرية إلى تبني خطط إستراتيجية لتوفير المياه من جهة، وتقليل الهدر وترشيد الاستهلاك من جهة أخرى، وقامت في سبيل ذلك بإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف، إلى جانب استخدام أصناف جديدة من المحاصيل تستهلك كميات أقل من المياه، وتقليل مساحات زراعة الأرز، والموز، وقصب السكر، وهي محاصيل شرهة للمياه، واعتماد أنظمة الري الحديث، بدلًا عن الطرق التقليدية، وتبطين آلاف الكيلومترات من الترع والقنوات الفرعية.

وفي سبيل تحقيق أكبر قدر من تنظيم وترشيد استهلاك المياه، أصدر البرلمان المصري قانون الموارد المائية والري، الذي تضمن فرض غرامات وعقوبات في بعض مواده، وتقول الحكومة إنه يهدف إلى الحفاظ على الموارد المائية وتنميتها وتحسين كفاءة الري.

ورغم أهمية تلك الخطوات في تعظيم الاستفادة من المياه، إلا أنها وفق خبراء ومختصين، مرتفعة التكلفة وتحمل المواطنين أعباء مالية كبيرة، ولا تعوض النقص المحتمل في تدفقات مياه نهر النيل في حال احتجزت إثيوبيا كميات ضخمة من مياه النيل الأزرق، شريان الحياة لنهر النيل.

اللجوء إلى مجلس الأمن

اجتمع مجلس الأمن لمناقشة حل لقضية سد النهضة بين مصر، والسودان، وإثيوبيا، بعد فشل المفاوضات، التي كانت يرعاها الاتحاد الأفريقي على مدار عام.

وخلال الاجتماع، حثت مصر والسودان مجلس الأمن الدولي على استخدام «الدبلوماسية الوقائية» والدعوة إلى اتفاق ملزم قانونًا لحل النزاع مع إثيوبيا حول توافر المياه من سد النهضة على نهر النيل، لكن إثيوبيا أصرت على أن المسألة يمكن حلها عبر الاتحاد الأفريقي وسط موافقة العديد من أعضاء المجلس، وبعد مناقشات دامت لساعات، أيَّد أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جهود الوساطة التي يجريها الاتحاد الأفريقي بين الدول الثلاث، وحثوا جميع الأطراف على استئناف المحادثات.

لكن لم يتوصلوا بشكل واضح لحل للمشكلة، كما أنه لم يتم الإعلان عن موعد التصويت على القرار الذي تقدمت به تونس لمجلس الأمن بالنيابة عن مصر والسودان، والذي يدعو إلى التوصل إلى اتفاق ملزم بين الدول الثلاث بشأن تشغيل سد النهضة خلال ستة أشهر تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.

أضرار سد النهضة على مصر

تشير دراسة محاكاة أعدَّها معهد الدراسات البيئية بجامعة عين شمس إلى أضرار كبيرة قد تلحق بمصر جراء سد النهضة، حيث أظهرت أنه إذا كانت فترة ملء بحيرة السد ثلاث سنوات، فإن ذلك سيؤثر تأثيرًا شديدًا على حصة مصر والسودان من المياه بنقص يمثل نحو 24 مليار متر مكعب سنويًا (حصة مصر 55 مليار متر مكعب سنويًا)، وأوضحت الدراسة أنه بعد الانتهاء من بناء السد سيتم حرمان مصر والسودان من 5 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا.

ولذلك تطالب القاهرة بأن تكون فترة ملء السد 10 سنوات مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف؛ لتفادي نقص حصتها من المياه، بينما تصر أديس أبابا على أن تتراوح الفترة بين ثلاث إلى سبع سنوات.

وأشارت الدراسة – التي أعدها معهد الدراسات البيئية – إلى أن تغير المناخ قد يزيد من مخاطر سد النهضة، متوقعة حدوث انخفاض لمنسوب المياه اللازمة لتشغيل السد العالي بنسبة 10% حتى عام 2070، تزيد إلى 40% بعد ذلك، إلى جانب ذلك من المتوقع نقص في الطاقة يمثل انخفاضًا بنسبة 10% حتى عام 2040، تزيد إلى ما بين 16% و30% في الفترة ما بين عامي 2040 و2070، ويمكن أن تزيد بعد ذلك إلى نحو 45%.

وعلى ما تتضمنه الدراسة التي أعدتها جامعة عين شمس من أضرار، إلا أن نتائجها تعد أكثر تفاؤلًا من نظيرتها التي أعدتها جامعة «جنوب كاليفورنيا» بالتعاون مع جامعة «كورنيل» و«وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)» حول حجم العجز المائي لمصر الذي يسببه سد النهضة، حيث توقعت الدراسة التي حملت عنوان «عجز المياه في مصر وسياسات التخفيف المقترحة لسيناريوهات ملء سد النهضة الإثيوبي» بأن متوسط ​​إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنويًا.

وأوضحت أن الرقعة الزراعية يمكن أن تتراجع بنسبة تصل إلى 72% من إجمالي المساحة الزراعية الحالية، في حالة عدم معالجة العجز المائي، والوصول إلى اتفاق لخطة التخزين، أما معدلات البطالة فقد تقفز إلى 25% وفق سيناريو ملء بحيرة السد خلال ثلاث سنوات، وهو السيناريو الأقرب للحدوث وفقًا لما نشهده حاليًا على أرض الواقع، حسبما توقعت الدراسة(1).

وبحسب تقارير وسائل الإعلام الحكومية الإثيوبية، فقد اكتمل بناء السد بنسبة 80٪، ومن المتوقع أن يصل إلى طاقته التوليدية الكاملة في عام 2023؛ ما يجعله أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وسابع أكبر محطة في العالم، وفي 5 يوليو الماضي أخطرت أديس أبابا القاهرة والخرطوم ببدء الملء الثاني، وهو الأمر الذي رفضه كل من مصر والسودان.

هل تثمر التحركات القانونية؟

إضافة للمعضلات المصرية أمام التحرك الدولي والقانوني رأى العضو السوداني السابق في مفاوضات سد النهضة أحمد المفتي أن إثيوبيا محصنة ضد المسارات القانونية بموجب إعلان المبادئ، واستشهد بالمادة العاشرة من إعلان المبادئ، والتي تنص على الوساطة وتسوية النزاعات بتوافق القاهرة، والخرطوم، وأديس أبابا مجتمعين، كما أضاف أن القانون الدولي يمنع اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، إلا إذا وافق الطرف المشكو في حقه (إثيوبيا) على ذلك؛ ما يمثل تحصينًا دوليًا لصالح إثيوبيا، وبالتالي المسار القانوني لن يكون في صالح مصر والسودان(2).

هل الحل العسكري قابل للتنفيذ؟

دفعت التلميحات الرسمية بشأن الخيارات المفتوحة إذا تضررت مصر مائيًا من السد إلى ترجيح كفة الحرب التي أسهمت فيها التدريبات العسكرية بين مصر والسودان، وكثافة القوات المشاركة، تارة بعنوان «نسور النيل 1، 2» وأخرى باسم «حماة النيل»، وشكلت تلك المناورات العسكرية رسالة إنذار إلى إثيوبيا في حال إصرارها على ملء ثان لسد النهضة بشكل أحادي، لكن بدأ خيار الحرب ينسحب تدريجيًا مع تحذير الولايات المتحدة قبل أيام من أن الحل العسكرى لأزمة السد الإثيوبي سوف يكون كارثيًا على المنطقة، ثم تبعها إعلان المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي من أنه «لا حل عسكري» للأزمة ذاتها، وهي المرة الأولى التي يأتي الكلام مباشرًا في هذا المضمار، واعتبره مراقبون بمثابة إنذار شديد اللهجة، ومحاولة لقطع الطريق على التفكير في التعامل مع الأزمة عبر الحل العسكري(3).

كلمة أخيرة

يدفع النظام المصري الآن ثمن غبائه السياسي من ناحية، وثمن تسلطه وجبروته على شعبه من ناحية أخرى، فلم تعد المفاوضات أو المسارات القانونية تؤتي ثمارها بسبب تحصين إثيوبيا لنفسها عبر البند العاشر من اتفاقية المبادئ، بالإضافة إلى كونه نظامًا لا يستمد قوته من شعبه، ولا يصارحه أو يكاشفه في المسائل التي تتعلق بأمنه القومي والإقليمي، فضلًا عن عدم سماحه له بممارسة حقوقه الديمقراطية التي تكفلها دساتير العالم، كما أن جملة ما تبوح به تصريحات المراقبين والمتابعين لهذا الشأن بأن السد أصبح أمرًا واقعًا، وأن اللجوء للحل العسكري ضرب من الخيال، وقد يستعدي على مصر القارة الأفريقية بأكملها في المقام الأول، بخلاف تدخل مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهنا يبرز المثل المصري الشهير ليعبر عن تلك الحالة التي وصلت إليها مصر – الدولة ذات الأهمية الإقليمية التي كان يُراد لها أن تكون صاحب الكلمة والريادة في المنطقة – «أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد