شاهدنا في الفترة الأخيرة حملات إعلانية كثيرة على قنوات التليفزيون والشارع والجرائد والمواقع الإلكترونية، تناشد فيها الحكومة المصرية جموع المواطنين ترشيد الاستهلاك وخاصة استهلاك الكهرباء وكأنها تعطي إنذارًا للجميع أن هناك محاسبات قوية بخصوص الفواتير تعاقب بها كل من تسول له نفسه أن يمر جانب ريموت التكييف أو يستخدم مياهًا ساخنة أو حتى يفكر في عمل كوب من الشاي مستخدمًا غلاية كهربائية – واستمرت هذه الحملة على مدار شهور لتخرج لنا بعد ذلك فواتير الكهرباء التي وبلا مبالغة قد قضت على أي بصيص من الأمل في أن هذا الوطن سيفكر يومًا في مصلحة شعبه وخاصة الطبقات الفقيرة.

وعندما نستمع إلى خطابات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والتى في معظمها يشير سيادته إلى الطبقة الفقيرة الكادحة التي تحاول جاهدة توفير لقمة عيش كريمة خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية التي تعصف بالعالم كله وليس مصر وحدها، ولكن ما نشير إليه هنا أن الحكومة قد اقترفت خطأ فادحًا عندما شرعت في تفسيم المواطنين إلى شرائح حسب الاستهلاك. وحتى لا ننهك عقولكم بالتفكير والاستنتاجات سوف أطرح عليكم مثالين منطقيين جدًا لإيضاح وجهة نظري وهي أن الحكومة اقترفت خطأ كبيرًا جدًا تجاه الطبقة الفقيرة الكادحة عند احتساب فاتورة الكهرباء.

مثال الأسرة الفقيرة

هناك عائلة مصرية فقيرة قررت أن تشتري جهازين للتكييف بالتقسيط والاستدانة (من طوب الأرض) حتى يوفروا مبلغًا مقدمًا لشراء هذين الجهازين واحد سيوضع في غرفة المعيشة أما الثاني فسيوضع في غرفة النوم الرئيسية. وبعد أن حصلا على الجهازين قرروا استخدامهما ليلًا ونهارًا بلا توقف بقرار من رب الأسرة هذا الرجل الفقير الكادح الذي يحاول توفير بعض الرفاهية المشروعة لأسرته وهي تركيب تكييف. وكما سبق أن أشرتُ قررتْ هذه الأسرة استخدام الجهازين على مدار اليوم بلا انقطاع أو توقف.

هذه الأسرة وبالحساب الجديد تدخل في شريحة اسمها الشريحة الخامسة أو السادسة، والتي يعامل فيها المواطن الفقير الغلبان هذا على أنه من الأثرياء ليجد نفسه في نهاية الشهر يدفع 1500 أو 2000 جنيه فاتورة كهرباء فقط، وهو في الأساس لا يعمل لأن الحكومة لم تستطع أن توفر له فرصة عمل محترمة يحصل بها على تكاليف معيشة أسرته وهذا بند من بنود أخرى مثل تعليم أبنائه وعلاجهم والأهم لقمة العيش التي يسد بها جوع أبنائه وزوجته.

مثال الأسرة الغنية

هذه الأسرة الميسورة الحال رب الأسرة يعمل في وظيفة مرموقة وزوجته أيضًا تعمل وكذلك الأبناء يذهبون في عملهم بعد أن تخرجوا في جامعات عالمية ذات المصروفات الدولارية، ولهذا وجدوا عملًا بشكل سريع وأصبح لا يوجد أحد في منزلهم على مدار اليوم حتى الخامسة مساء وفي أيام العطلات.

هذه الأسرة تدخل في الشريحة الأولى أو الثانية على أقصى تقدير وتحاسب بسعر قليل جدًا، وتصل الفاتورة إلى 300 جنيه أو 500 جنيه على الأكثر رغم أن هذه الأسرة لا يوجد لديها أدنى مشكلة في أن تدفع فاتورة كهرباء 3000 أو 5000 جنيه شهريًا إلا أنها لظروفها الاقتصادية الممتازة استطاع المشرع وصاحب هذا القانون والتعريفة الفاشلة أن يعطيها مميزات إضافية ليتمتعوا بخير هذا الوطن على حساب الغلبان الذي يدفع لهم فاتورتهم على حسابه الشخصي لأن الدولة حقيقة لم تقف إلى جواره ولم تسانده  ولم تدعمه ولو بالقليل.

بعد المثالين السابقين

من هذا نستنتج أن قرار الحكومة العبقري بمحاسبة المواطنين على أساس الشرائح ليس عدلًا من قريب أو من بعيد، وهو ظلم مجحف للمواطنين الغلابة أصحاب الدخول المتدنية والذين لا ينظر إليهم أحد بعين الرحمة.

المفروض يا سيادة رئيس الوزراء ويا سيادة وزير الكهرباء أن تحاسب الأغنياء بوصفهم أغنياء والفقراء بوصفهم فقراء، ولو أننا في دولة العدل وهناك وزير يترك للبعد الاجتماعي والنفسي مكانًا في حساباته لأقر مجلس الوزراء تعديلًا في المحاسبات على فواتير الكهرباء وجعل الأغنياء هم من يتحملون فواتير الكهرباء للغلابة.

إنني لا أتحدث عن صور سلبية لإثارة الرأي العام ولكن أتحدث عن قرارات مجلس الوزراء ووزير الكهرباء التي تزيد من ثقل الحمل على الطبقة الفقيرة دون مراعاة أية أبعاد اجتماعية، وهذا يبتعد بنا كثيرًا عن برامج سيادة الرئيس للتنمية ومحاربة الفقر والوقوف جنبًا إلى جنب مع الطبقات الفقيرة التي حقيقة تحتاج إلى دعم كامل من المجتمع والدولة لأن الحمل ثقيل جدًا لن يتحمله أحد، ولو شعر المواطن بأن الحكومة لا توليه اهتمامًا لأصبحت الحكومة بالنسبة إليه غير موجودة.

نحن مقدرون لكافة مجهودات سيادة الرئيس في توفير حياة أفضل للمصريين، لكن سيدي هناك من يعمل في حكومتك لغير هذا الغرض ولا يمتلك حتى من الأدوات ما تمكنه من توفير دعم ولو بسيط للطبقات الفقيرة التي أنهكتها الديون ويدخلون السجون يوميًا لأنهم حتى لا يستطيعون توفير موارد مالية يسددون منها بعضًا من ديونهم حتى لا تنهار أسرهم بدخولهم إلى السجون.

إننا نطالب الحكومة بأن تراجع سياستها خاصة في موضوع الكهرباء، وأن تعترف بالخطأ في طريقة حساب فواتير الكهرباء وتقسيمها إلى شرائح حسب الاستهلاك لأن هذا مناف للواقع ويعتبر تجنيًا على حقوق الطبقات الفقيرة والتي يوليها رئيس الدولة عناية واهتمامًا خاصًا.

لماذا يتمتع الأغنياء بدعم تقدمه الحكومة في الأساس للفقراء؟

وأخيرًا نحن لا نطلب إلا حقوقًا بسيطة تجعلنا نشعر بأننا ما زلنا نور عيون مصر.

تحياتي وشكرًا.

محمد هدايت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد