في الوقت ذاته الذي كانت مصر -بأكملها- ترتدي وشاح الحزن والأسى، بعد أن فجعتها كارثة جديدة يوم الأربعاء الفائت؛ إثر حريق هائل نشب بأحد قطارات محطة رمسيس المركزية، وسط العاصمة القاهرة، وحصد أرواح ما لا يقل عن 22 مواطنًا ومواطنة، وأصاب أكثر من 40 آخرين.

وفي الوقت ذاته انبرى قطاع كبير من المصريين للتخفيف من حالة الاحتقان الشعبي، وتبرئة نظام الحكم الحالي من أي مسؤولية تقع على عاتقه، سواء من قريب أو من بعيد، وألقوا باللائمة – في جميع حوادث القطارات، وليست هذه الحادثة فقط- على الأنظمة السابقة؛ بسبب فشلها – على مدار عقود طويلة- في تطوير القطارات المتهالكة، بل عدتها مجرد حادثة مثل حوادث كثيرة تقع في كل دول العالم؛ مستشهدين بحادث اصطدام قطارين في اليوم ذاته في مدينة نيويورك، والذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص، وذلك في تبرير ممجوج ورخيص لا يصح ولا يليق بدماء الأبرياء التي سالت على القضبان، ولو أنهم صمتوا لكان خيرًا لهم.

وفي الوقت ذاته لم يتوان قطاع آخر من الشعب المصري عن استغلال الحادث ليصب جام غضبه على نظام الحكم، وتحميله المسؤولية كاملة عن المأساة؛ نظرًا إلى ما يرونه تقاعسًا وإصرارًا على إنفاق المليارات في مشاريع أخرى لا طائل من ورائها، وإهمال تطوير هذا القطاع الحيوي، في انتهازية مفضوحة ومكشوفة، وتأكيد اعتقادهم أنه لا أمل في إصلاح البلاد، وأن الله لا يصلح عمل المفسدين، ولو أنهم صمتوا لكان خيرًا لهم أيضًا.

وفي الوقت ذاته صدمنا أحد الإعلاميين باستضافة سائق القطار الذي كان سببًا في وقوع المأساة في برنامجه المذاع على إحدى الفضائيات المصرية، وبدا كأنه حقق فتحًا إعلاميًّا عظيمًا، وبدلًا من أن يطالب بوضعه خلف القضبان – على الأقل حتى تنتهي التحقيقات الجارية- وأتاح له منصة يدافع من خلالها عن تقصيره وإهماله في أثناء تأدية وظيفته، غير عابئ بالدماء التي كان سببًا في إراقتها.

وفي الوقت ذاته خرجت كاتبة معروفة بتعليق عجيب وغريب لا يتسق مع حالة الحزن العام في البلاد، حين وصفت ضحايا الحادث بأنهم «أقل شرفًا»، وذكرت أن «الغلابة الفقراء أغلبهم متعاطفون مع الإخوان»، مضيفة أن ضحايا الحادث ماتوا بتخطيط سواق من كرداسة من الغلابة، وأن «الأغنياء الوطنيون الشرفاء هم أشرف من الفقراء الذين يكرهون الوطن ويتعاونون مع الإرهاب».

وفي الوقت ذاته لم نسمع فيه عن انعقاد جلسة طارئة لمجلس النواب – مثلما يحدث في دول محترمة كثيرة- لمناقشة تداعيات الكارثة، واستجواب كل المسؤولين – من أصغرهم إلى أكبرهم- لمحاسبتهم أمام الشعب عن التقصير والإهمال، ولوضع نهاية لسلسلة حوادث القطارات التي تضرب الفقراء بين الفينة والأخرى.

تزامنًا مع كل ما سبق قامت الدنيا ولم تقعد في بلدة بنشايم الألمانية، بعد أن تلقت فرق الإغاثة اتصالاً غير عادي من إحدى الفتيات للإبلاغ عن وجود فأر يحتفظ بكثير من دهون الشتاء، وكان عالقا تمامًا في غطاء إحدى البالوعات، ولا يستطيع المضي إلى الأمام أو العودة من حيث أتى! وبعد جهود كبيرة نجحت فرق الإغاثة في إنقاذ الفأر الذي عاد على الفور إلى البالوعة، ولكن بعد التقاط العديد من الصور له من قرب.

وبعد وضع هذه الصور على صفحة فرق الإغاثة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، حظيت بمئات التعليقات التي أشادت بالعناية الفائقة واللافتة التي حظي بها هذا الحيوان الصغير، الذي عادة ما يكون عرضة للإبادة وهدفًا للملاحقة في بلادنا.

عندما تضرب كارثة أو أزمة معظم دول العالم تقف الحكومة والشعب صفًا كأنهم بنيان مرصوص؛ بغية الحد من تداعياتها وآثارها السلبية، غير أن الوضع في مصر يختلف تمامًا؛ فبمجرد وقوع حادث في البلاد تجد الحكومة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، غير مدركين أو عابئين لحقيقة أنه ليس في مقدور أي وطن – بأي حالٍ من الأحوال- أن يتغلب على أزماته ما دامت جبهته الداخلية ممزقة بفعل الصراعات والخلافات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد