ثلاث دول تتشابه خصائصهم إلى حد كبير، فبداية من عدد السكان الذي يختلف من دولة إلى الأخرى فقط ببضع ملايين (86 – 77 – 80 مليون نسمة)، ومرورًا بالحضارات العتيدة التي نشأت في كل منهم منذ آلاف السنين وتاريخ دخول الإسلام المتقارب، وانتهاءً بالحالة الاقتصادية/السياسية التي مروا بها جميعا في الستينيات/السبعينيات، إضافة إلى ثقافة شعوبهم الشرقية وتشابه طباعهم إلى حد ما. ولذلك مع التغيرات السياسية التي حدثت في مصر خلال الثلاث سنوات الماضية كان اسم تركيا وإيران من أكثر الأسماء التي تتردد وكانت تجاربهما السياسية دومًا موضع مقارنة مع تجربة مصر وأحيانا مصدر إلهام للبعض.

 

تشابه تجربة مصر مع تركيا يرتكز على عدة محاور أهمها الخلفية الدينية لكل منهم (الأزهر/الإخوان المسلمين – الخلافة) ودور الجيش الواضح على مر التاريخ (المماليك/عرابي/الضباط الأحرار – الانكشارية/الانقلابات العسكرية) والموقع الاستراتيجي (قناة السويس/إسرائيل – المضائق/البحر الأسود/روسيا)، كل هذا كان سببًا في استحضار صورة تركيا وتجربتها منذ انقلاب 1960 حتى صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002 واستمراره فيها إلى الآن.

 

والحقيقة أن الطريق الذي انتهجته تركيا وحركاتها السياسية (اليسار – اليمين) يختلف إلى حد ما عما يحدث الآن في مصر، وبالرغم من المظاهرات التي سادت البلاد في أعقاب انقلاب جمال جورسيل في مايو 1960 وإعدامه لمندريس (رئيس الوزراء حينها و أول سياسي منتخب ديمقراطيًا في تركيا) إلا أن الحزب الديمقراطي نفسه (حزب مندريس) قد شارك في أول انتخابات بعد الانقلاب.

 

ولم تكن المواجهات الطلابية التي وصلت إلى أوجها في 14 يونيو 1968 بقيادة دينيز جزميش وانتهت بإعدامه ورفاقه (يوسف أصلان – حسين إنان) في مايو 72 بعد قيام انقلاب مارس 1971 إلا نتيجة لازدياد الأزمة الاقتصادية و توجه تركيا الواضح تجاه الولايات المتحدة ومحاولتها الجادة لإقصاء اليساريين ولم يكن له علاقة بالانقلاب أوالإسلاميين .

 

والحقيقة أن انقلابي 60 و71 لم يعتبرا الإسلاميين هم العدو المباشر، فبقليل من التدقيق يظهر لنا أن موقف اليساريين حينها هو الأقرب لموقف الإسلاميين في مصر الآن، بل إن دور الإسلاميين في نهايات حقبة الستينيات هناك كان أقرب لدور شباب الثورة/الليبراليين في مصر الآن من محاولة الاحتكاك بالطرف الأكثر مقاومة (اليساريين حينها) والاصطدام به وهو ما عجل بانقلابي 71 و80.

 

وقد كان أول ظهور لحزب إسلامي (حزب السلامة) عام 1972 ، وحتى بيان انقلاب 1980 لم يتعامل مع الإسلاميين كعدو أوحد بل ذكر أن الانقلاب قد قام ضد الفوضى والإرهاب والشيوعيين والفاشيين والعقائد الدينية (المتزمتة).

 

على أن المعارضة التي تبنتها قوى اليسار وقبلها الشيوعية طوال ما يقارب العقدين قد خفتت بعد انقلاب 1980 وبدأ نجم الإسلاميين يلمع بدلا منها وحين قام انقلاب 97 الناعم كان هدفه الإسلاميين هذه المرة لكن أربكان تعامل مع الأمر ببساطة شديدة وترك الميدان على أمل معركة جديدة يخوضها هو (أو من ينوب عنه) لاحقا وهو ما كان في 2002.

 

لذلك نستطيع أن نقول أن الإسلاميين لم يكونوا أعداء للشعب او لجزء من الشعب بصورة واضحة أو جادة طوال الخمسين عاما السابقة لحكم التنمية والعدالة. ولم يكن خطابهم الإعلامي من الحسم ليصنف الناس إما لمؤيدين أو معارضين للإسلام، بل إن أردوغان – كمثال – لازال على حريصًا على إظهار الاحترام لأتاتورك مؤسس الجمهورية التركية صاحب القيم المختلفة أحيانًا كثيرة مع فكره.

 

يبدو هذا الطريق أكثر نجاحا للإسلاميين في مصر عن طريق إيران الذي – رغم حسمه – فقد خلق أعداء كثر لها على الصعيد الدولي والمحلي. لكن تشابه حالة إيران مع مصر تبدو جلية أكثر في كون كليهما قد خاض نضالًا ثوريًا من أجل التخلص من الفساد والفقر.

 

بدت إيران في ثورتها أكثر عملية من مصر، حدد الخميني أهدافه جيدًا واستطاع أن يكون رمزًا للثورة بالرغم من نفيه خارج البلاد لأربعة عشر عامًا قبلها وهو ما فشلت فيه الثورة المصرية وفشل فيه البرادعي (أكثر المؤهلين لذلك نظريًا). لكن ما ساعد إيران في ثورتها لم يتوافر لنظيرتها في مصر، فقد استغل الخميني عقيدة الإيرانيين الشيعية ليفرض عليهم ولاية الفقيه كجزء من نتائج الثورة.

 

كذلك كان تكوين الحرس الثوري والفتك بالمعارضين بل وبعض المؤيدين أحد أهم عوامل استقرار الأمور وتمكن الثورة من النجاح بالإضافة للخدمة الجليلة التي قدمها صدام حسين للنظام الإيراني بإعلان الحرب على إيران وهو ما جعل الحديث عن المعارضة والإصلاح أمر غير قابل للنقاش في خضم المعركة.

 

وقد قام النظام الإيراني بإغلاق الجامعات لمدة عامين للتخلص من اليسار وفصل المعلمين والضباط (المتغربين) بحسب تعريف الخميني وتم غلق الصحف واعتقال قادة المعارضة (أهمها حزب الشعب الجمهوري وقائده شريعتمداري).

 

إذن فما قام به العسكريون (أعداء الثورة) في تركيا شبيه إلى حد كبير بما قام به الخميني (الثورة) في إيران وكلاهما نجح حينها ولكن في تركيا تدارك الديمقراطيون الأمر (الإسلاميون في حالنا) واستطاعوا بعد خمسين عامًا الوصول للسلطة في مناخ يسمح بالعمل والإنتاج إلى حد كبير، بينما في إيران لازالت التجربة في عامها الخامس والثلاثين وربما تشهد انتكاسة فيما بعد.

 

والنظر الآن إلى كلتا التجربتين يخبرنا بأن طريق إيران وإن كان أقصر وأكثر حسمًا بالنسبة لإسلاميي مصر لكنه يبدو أكثر صعوبة الآن نظرًا للعداء الشعبي الذي جناه الإسلاميون في مصر، ربما كان يصلح قبل عامين وبعد الانتهاء فورًا من إزاحة مبارك والذي شهد حينها أفضل شعبية للإسلاميين لكنه يبدو الآن مستحيلًا إلا لو انتهج الإسلاميون منهجًا مسلحًا وامتلكوا القدرة على العنف والتغيير الدموي، وهذا – وإن نجح – سيحمل المزيد من الضغينة والمزيد من احتمالات الفشل المستقبلية، بينما يبدو طريق تركيا مناسبًا أكثر رغم أن تركيا لم تشهد ثورات قبل انقلاباتها.

 

لكن المسار التدريجي الذي انتهجه الإسلاميين هناك مع التغلغل الثقافي الذي ساعدهم عليه نفي أو هجرة معظم مثقفي وكتاب اليسار حينها قد هيأ بيئة مناسبة لعودة الإسلاميين الأسطورية في 2002 واستمرار صحوتهم حتى الآن.

 

لم تكن تجربتا تركيا وإيران التجارب الوحيدة لكنها – من وجهة نظري – الأقرب لمصر، والطريقان المتاحان للتغيير يبدوان فعلا هما الطريقان الأكثر قابلية للتنفيذ.

 

لكن وبالرغم من رغبة كل معارضي الانقلاب في مصر في كسر الانقلاب بأقصى سرعة سواء عن طريق السلمية أو حتى العنف إلا أن هذا الطريق لا يبدو مناسبًا للإسلاميين لو أرادوا العودة للحكم والعمل في بيئة صالحة فيما بعد، بينما يبدو طريق تركيا – الطريق الأكثر خنوعا – هو الأقرب لحالتنا رغم ما فيه من تنازلات وسنوات عمل طويلة من أجل الوصول لما وصل له أردوغان، لكن تبقى مذبحة رابعة عائقًا أمام سلوك هذا الطريق .. ولازلنا ننتظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد