المواطن المصري هذا الكائن البشري الذي طالما عاش ضحية ومجني عليه دومًا أمام تجاوزات السلطة والسياسة والأنظمة المتعاقبة، هذا المواطن الذي يستباح دمه في قارعة الطريق «شهيد المنيا – بائع الشاي» أو حتى في مراكز الشرطة «مجدي مكين» سائق عربية كارو غلبان مات من آثار التعذيب وهتك عرضه ومن قبله «عماد الكبير» سائق الميكروباص الذي هتك عرضه ضباط المباحث فرحًا وقاموا بتصويره لابتزازه فيما بعد، ويشاء القادر أن يكون هذا الفيديو سببًا في ضياع مستقبلهم، قسم الشرطة والذي من المفترض أن يلجأ إليه المواطن بحثـًا عن الحق وتحقيقه، هذا المواطن الذي بمجرد أن استنجدت به الدولة هرول لمساعدتها ماديًّا ومعنويًّا متبرعًا بأمواله الزهيدة لحل أزمات اقتصادية كبيرة، هذا المواطن الذي استطاع بصبره وتحامله أن يساعد هذه الدولة الكبيرة على اجتياز كل المحن التي تضرب بها، هذا المواطن الذي يدفع يوميًا ثمن اختياره الاستقرار للدولة وعودة هيبتها بعد أن كاد ينال منها  أعداء الوطن على مدار سنوات تدهور بها الحال إلى أن قاربت على النهاية –هذا المواطن الذي غنى بأعلى صوته تسلم الأيادي ورفع بيادة الجيش على جبينه– هذا المواطن الذي يساند الدولة والحكومة والرئيس يوميًا محاولاً ألا يمس مصر من الضر شيء.

وبعد ثورة 30 يونيو، وإعادة صياغة دستور جديد للبلاد، أعاد كرامة المواطن، وأصبح المواطن هو محور العمل الرئيس للدولة، شعر هذا المواطن بالأمل من جديد يسري في عروقه، خاصة بعد تصريحات سيادة الرئيس عن الشعب المصري الذي لم يجد من يحنو عليه، وأن الشعب المصري نور عينيه، أطلق المواطنون العنان لأحلامهم نحو حياة أفضل عنوانها الكرامة ثم الكرامة، ونتيجة لهذا أعادت الداخلية صياغة علاقتها بالمواطنين في شكل عقد اجتماعي جديد تضمن فيه التعامل بصورة أفضل مع المواطنين، وراود بعض المواطنين حلم بأن دخول أقسام الشرطة سيكون بمثابة النزهة في يوم من الأيام، ومع مرور الوقت تضاءل هذا الحلم إلى أن أصبح مجرد سراب، إلى أن انتهى تمامًا لتعود الأمور كما كانت في السابق، وأصبح الذهاب إلى قسم الشرطة للمطالبة بالحقوق هو مغامرة غير محسومة وغير مضمونة العواقب.

وما زلنا نتحدث عن المواطن المصري الذي داعبته الأحلام منذ قيام الثورة سواء 25 يناير أو 30 يونيو وكلاهما داعب في مخيلة المصريين أن ثمة تغيرات جذرية ستحدث، خاصة فيما يتعلق بكرامة المصريين التي كانت دومًا ودائمًا مستقرة تحت أقدام السلطة، وكان شعور المواطن دائمًا أنه غريب على أرضه وفي وطنه وكأن كفاحه وراء لقمة العيش دومًا هو العائق وراء المطالبة بأية حقوق خوفـًا من مستقبل مظلم خلف القضبان ورعبًا من جهاز أمن الدولة هذا الجهاز الذي كان تخصصه الأول والأخير تصدير النهاية لكل من تسول له نفسه أن يفكر مجرد تفكير في أن يعيش يومًا كإنسان، والذي استبدل بعد الثورة بجهاز الأمن الوطني.

وبعد ذلك كان للقضاء دور في القضاء على أي حلم ممكن أن يداعب مخيلة المواطن عن مستقبل أفضل فأصبحت المحاكم أداة في يد النظام، وأنا آسف لهذا القول، ولكنه بات حقيقة؛ فكم من متهم قد حكم عليه في قضايا جميعنا نعلم أنها قضايا رأي، وفي مخالفة صريحة للدستور، الذي أقر بحرية المواطنين في التعبير، نجد أن هؤلاء الشباب قد حكم عليهم بقضاء أجمل فترات حياتهم وشبابهم خلف القضبان لمجرد أنهم فكروا يومًا أن يستخدموا حقـًا قد كفله الدستور لهم، ثم يأتي بعد ذلك قرار من رئيس الدولة بالإفراج عن بعضهم بعد قراره بإنشاء لجنة للإفراج عن الشباب المعتقل، وهذه اللجنة هي صاحبة القرار في الإفراج عن بعضهم دون بعض، وكأن هذه اللجنة قد أصبحت تمثل السلطات الثلاث مجتمعة، القضائية والتنفيذية والتشريعية، أين العدل في هذا الأمر؟ أين العدل حينما أصدر القاضي حكمه، وهو متيقن من هؤلاء الشباب لم يقترفوا جرمًا سوى أنهم حاولوا استخدام حقـًا قد كفله لهم الدستور والقانون، وها نحن نرى الرئيس يضرب بأحكامهم عرض الحائط ويفرج عن 82 منهم، هل يرى رئيس الدولة ما لا يراه القاضي؟ أم أن قرار الإفراج لا يخرج عن كونه قرارًا سياسيًا لمنع الاحتقان الداخلي؟ أم أن الرئيس يتلافى أخطاء السادة القضاة في مخالفة الدستور.

وكانت هذه صدمة أخرى بعد أن داعب الأمل طموحاتنا وأصبحت أحلامنا في عنان السماء متمنين أن يكون مستقبلنا في ظل دستورنا الجديد أفضل وأن يكون لكرامة الإنسان فيه مكان.

ثم يأتي دور البرلمان المصري المنتخب، وهو أول برلمان مصري به هذا العدد الكبير من الشباب، متضمنـًا أكبر عدد من النساء في تاريخ برلمانات مصر على مدار تاريخها الذي استمر أكثر من 150 عامًا، ولكن نجد أن البرلمان لم ينتفض للدفاع عن هؤلاء الشباب المحبوس في قضايا التعبير عن الرأي في دولة يكفل دستورها حرية الرأي ويدافع عنها ويحميها من نفوذ السلطة الحاكمة وسطوة الحكم، ولكن كان دور البرلمان كذلك مخيبًا للآمال كسابقيه من السلطتين التنفيذية والقضائية، وكان موقف البرلمان من قضية تيران وصنافير أيضًا مثيرًا للجدل ومصدرًا للاحتقان، فكيف لبرلمان دولة منتخب من الشعب أن يوافق الحكومة أن تتنازل عن قطعة من أراضيها لدولة أخرى دون استفتاء الشعب على هذا؟ وكان استقبال البرلمان للعاهل السعودي أمرًا يدعو إلى التساؤل، ولم يعلق حتى رئيس البرلمان عن السبب من استضافة عاهل السعودية وإلقائه هذه الكلمة التاريخية من برلمان مصر.

ونعود إلى المواطن المصري الذي أنهكه البحث عن الكرامة والحرية وعاد مرة أخرى غريبًا في بلده وكأنه من عبيد القرون الوسطى، وما شاهدناه وعاصرناه مؤخرًا من نقص في السلع الأساسية والدواء وطوابير السكر والأرز وارتفاع جنوني في أسعار السلع يؤكد على أن المواطن المصري قدره أن يعيش ويموت هكذا، قدره أن تنهكه ظروف حياة قاسية يحاول جاهدًا أن يوفر حاجاته الأساسية ويحارب الفقر يوميًا دون أن يلتفت إليه أحد، ورغم محاولات القوات المسلحة تقديم العون لكن هذه بالنسبة للمصريين مجرد مسكنات لا ترتقي لمرتبة الحلول التي تحول دون تكرار هذه المأساة مرة أخرى.

بات أمام الدولة حل واحد لتقليل الفجوة بينها وبين الشعب، وهو أن تستمع للشعب وأن تقر ما جاء في الدستور، وأن تعامل الشعب بكرامة، وألا تكمم الأفواه، وأن تكف أيديها عن معتقلي الرأي، إننا ضد أن يخرب أحد منشآت أو ممتلكات عامة، وكذلك ضد أن يعتقل مواطن لأنه صاحب رأي مخالف لرأي الحكومة، لماذا لا تحتوي الحكومة معارضيها، وأن تحاول الإنصات لوجهة نظرهم بخصوص الأوضاع الحالية؟ أليس من الممكن أن يكون لهؤلاء أفكار عبقرية تساعد الدولة على النهوض، ليس بالضرورة كل الآراء سليمة، ولكن ما نحن متأكدون منه أنها مجرد آراء، وهي تنتمي لأصاحبها، ولا داعي أبدًا أن تستعدي الدولة أبناءها لمجرد أنهم يمتلكون فكرًا مخالفـًا، ونحن على يقين أن من بين هؤلاء من يمتلك من الأفكار العبقرية أنهارًا تستطيع أن تنتقل بمصر إلى مرحلة متقدمة من التطور والنمو.

الدستور المصري في أغلب مواده قد أقر حرية المواطنين وأن المساواة هي الأساس التي تبني عليه العلاقة بين المواطنين والدولة، وأن حرية الرأي مكفولة للجميع دون تمييز، أين حرية الرأي إذن عندما نعتقل شبابًا لمجرد أنهم عبروا عن اختلافهم مع الحكومة في بعض القضايا؟

آن الأوان أن تقوم الدولة بإعادة صياغة طبيعة العلاقة مع المواطنين الذين ضاق بهم الحال من طريقة معاملتهم كعبيد في دولتهم التي من المفترض أن تحميهم وأن تقدم لهم كل الدعم لعيشوا حياة كريمة.

هناك في مصر معارضون ومعرضون يمتلكون من مشاريع الأفكار أنهارًا تستطيع أن تخدم وتشارك في عملية التنمية والنهوض بالاقتصاد وتجاوز الأزمات المتلاحقة، لماذا لا تحتوي الدولة هؤلاء؟ هل لأنهم معارضون للنظام فهم في منزلة الأعداء فلا ينصت لهم؟ هل لأن الدولة مستحوذه لنفسها على جميع أفكار التنمية، ولا تريد المساعدة من أبناء الوطن؟ هل يقتصر بحر الإبداع والفكر على قلة قليلة من تسعين مليون مصري؟

أيها السادة، إن الدستور المصري الذي قدمتموه للشعب فيه من بنود الكرامة والإنسانية الكثير وبمجرد تطبيقها ستتغير طبيعة الحياة داخل القطر المصري؟ فقط قراءة الدستور وتطبيقه، ليست بهذه الصعوبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد