يعيش المجتمع المصري حالة من الاستقطاب الشديد على المستويين الاجتماعي والسياسي منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن؛ حيث تتجلى ملامحه بوضوح في الأوقات المصاحبة للأحداث الخلافية مثل الإعلان عن جهاز علاج فيروس سي ومشروع قناة السويس، ومؤخرًا حادثة الطائرة الروسية وغيرها من الأحداث الكبيرة (أو حتى الصغيرة). وبغض النظر عن أهمية الحدث نفسه يظل الاستقطاب سيد الموقف – الأمر الذي بات ينذر بالخطر ويوجب علينا أن نتوقف قليلًا لنفهم لماذا وكيف يُستقطب الشعب، علنا نفهم ما يجري حولنا وما يتجه إليه المجتمع المصري.

بدايةً، الاستقطاب في حد ذاته ظاهرة تحدث في ظل ظروف تاريخية معينة، لا سيما أثناء التحولات التي تمر بها المجتمعات نتيجة لتغير سياسي أو اجتماعي كبير. وبذلك يبدو الاستقطاب في مصر مرحلة طبيعية إن وضعناه في سياق (التحول الديمقراطي) الذي يكون الاستقطاب جزءًا أصيلًا منه حيث يتفاعل الشعب مع نظم سياسية جديدة محدثةً بذلك حالة من الاستقطاب كنتيجة طبيعية لاختلاف الاتجاهات الفكرية لأفراد المجتمع.

إذًا ما المشكلة؟

المشكلة أنه عندما قُضي على التحول الديموقراطي في مصر، فقد الاستقطاب موقعه المرحلي في عملية سياسية شاملة وبالتالي نجد أن الاستقطاب تحول من ظاهرة تتماشى مع طبيعة المرحلة إلى إستراتيجية تعتمد عليها السلطة في إدارة علاقاتها مع المجتمع والقوى السياسية الأخرى دون الأخذ في الاعتبار التبعات التي قد تترتب على تلك الممارسات من انقسام وتشرذم وتفكك في نسيج المجتمع.

فعليًّا، بدأت حالة الاستقطاب السياسي في مصر مع ثورة 25 يناير عندما قام الشباب بحملات إعلامية موجهة بهدف جذب أكبر عدد ممكن من الجماهير للمشاركة في المسيرات والمظاهرات وخلق جبهة شعبية تكون العمود الفقري للتغير السياسي في مصر. كانت ملامح الاستقطاب في تلك المرحلة ثورية تحت إدارة شباب الثورة من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. بعد رحيل مبارك، استمر الاستقطاب ولكن تغير القائمون عليه وكذلك تغير الغرض منه فبدل من استقطاب من أجل التغيير أصبح استقطابًا من أجل إعادة إنتاج أوضاع ما قبل 25 يناير تحت إدارة جنرالات المجلس العسكري من أجل حماية نفوذ النخبة العسكرية الحاكمة للبلاد.

 

تباعًا- وبعد أحداث كثيرة- خفتت كل أضواء الثورة واستمر ضوء الاستقطاب السياسي، والذي تراكمت طبقاته بعد أن أضيفت إليه الصبغة الدينية الإقصائية في عصر الإخوان المسلمين، ثم الطابع القومي الإقصائي –أيضًا- في عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي. تلك الطبقات المتراكمة من الاستقطاب الممتد من ثورة 25 يناير إلى يومنا هذا أفرزت ظواهر اجتماعية غاية في الخطورة أثرت في سلوك المجتمع بشكل غير مسبوق أسوأها استفحال الممارسات التميزية بين أبناء الشعب الواحد على أسس فكرية ودينية وطبقية وقومية.

 

ولنفهم كيف أثرت تلك الطبقات من الاستقطاب على المجتمع يجب علينا تسليط الضوء على فترة ما بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، عندما عملت النخبة العسكرية الحاكمة على تكريس النزعة القومية كوسيلة لاستقطاب مؤيدين للدفاع عن موقف الجيش في وجه التيارات الدينية واليسارية المعارضة. لاقت تلك المفاهيم القومية صدى واسعًا عند الطبقة البرجوازية الممثلة في رجال الأعمال وبعض القطاعات العليا من الطبقة المتوسطة التي رأت في النزعة القومية اتجاهًا علمانيًّا يتماشى مع مواقفها الاجتماعية واتجاهاتها الفكرية المضادة للتيار الديني المحافظ الممثل في الإخوان المسلمين، واليسار الممثل في الحركات الثورية.

 

استخدمت النخبة الحاكمة أدوات الوعي العام كالإعلام المرئي والصحافة المكتوبة لاستقطاب مزيد من المؤيدون للاتفاف حول الجيش وتأييده ضد “الإرهاب المحتمل”، واستمروا في ترديد شعارات الدولة الوطنية والقومية المصرية، بينما قام الإعلام الداعم للحكومة الانتقالية في شيطنة آليات المعارضة المدنية السلمية مثل التظاهرات والاحتجاجات ومنظمات المجتمع المدني الداعمة للحقوق والحريات العامة بحجة أنها تهدف إلى إحداث حالة من البلبلة وتهدد الأمن القومي المصري. الأمر الذي أدى بالضرورة إلى دفع المعسكر المعارض -تحديدًا الإخوان المسلمين- إلى استقطاب مؤيدين هو الآخر كوسيلة للدفاع عن موقفه مستخدمًا نفس الأدوات، وإن كانت على نطاق أقل بكثير من تلك التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية.

 

وفي ظل غياب صوت معتدل اشتد الصراع فيما بين المُستقطبين، حيث بدأ كل طرف في ترديد السرديات والأساطير التي تروي بطولات أسطورية عن معسكريهما دون التفكير في صحة تلك السرديات- لم تكن الأسطورة هي الغاية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة أساسية في استقطاب المزيد من التأييد. لا يوجد مثال أفضل من ذلك الذي تجلى فيه مُستقطبو المؤسسة العسكرية عندما رووا عملية الفريق مهاب مميش التي تم أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي فيها.

 

وكنتيجة لهذه الحالة، بدأ المجتمع تدريجيًّا في تطوير آليات لتقسيم نفسة ذاتيًّا لفئات وجماعات وطبقات اجتماعية مختلفة، وقولبة كل فئة في إطار ثنائي – إما معارض وإما مؤيد. هنا يحدث التأثير الأقوى حيث إن كل فئة ترى الفئة الأخرى ليست معارضة لها في الرأي فحسب- بل إن ذلك الاختلاف يهدد حياة الفئة الأخرى، ومن ثم يجدر بكل منهما أن يقضي على الآخر (حتى وإن كان بشكل رمزي) إن كان يريد البقاء.

 

حرص إعلام الدولة -المستقطب لصالح الجيش- على ترديد الشعارات القومية أحادية الفكر، وإعادة بثها في أوقات وأشكال مختلفة مع عدم السماح بظهور الرأي الآخر وتصوير كل من يعارض النخبة القومية بأنهم مجموعة من الخونة والجواسيس والعملاء. أدى هذا الأمر إلى تقسيم المجتمع ما بين من هو شديد التأييد ومن هو شديد المعارضة وعدم وجود مساحة للرأي المعتدل.

 

الإفراط في استخدام الشعارات القومية في ظل الاستقطاب فرض حالة من العزلة على المُستقطبين (من المعسكرين)- بمعنى أن يعيش هؤلاء في حالة من الخيال الافتراضي الذي يوفر لهم ملاذًا آمنًا للهروب من الواقع المرير إلى عالم أفضل يسهل العيش فيه. فمعسكر الإخوان المسلمين يعيش في عالم “مرسي راجع”، بينما يعيش معسكر السيسي في “مش أحسن ما نكون سوريا ولا العراق؟” لا يتطلب الاستقطاب استخدام المنطق وإعمال العقل للتحقق من المسار السياسي للدولة- بل يتطلب أن تكون جزءًا من المعادلة الصفرية (إما معنا وإما علينا). كذلك يُسهل الاستقطاب التعامل مع فكرة المؤامرات الكونية التي تحاك على مصر بدل من نقد الأسباب العملية التي أدت بإدارة محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي إلى الوصول إلى ما نحن عليه الآن من واقع أقل ما يقال عنه أنه “وقح”.

الخلاصة هو أن الإفراط في حالة الاستقطاب – والإصرار عليها- يفرض حالة من الانعزال على أفراد المجتمع المُستقطب بحيث يصعب إقناعهم بالمخاطر التي يعيشونها ليس جهلًا منهم بها، بل خوفًا من بطشها بهم لذلك يسهل عليهم أن يبطشوا هم بمن يحاول تغيير الواقع بدلًا من مساعدته على تغييره. الحياة بعيدًا عن الواقع تكون أهون على البعض من تغيير الواقع الذي يعيشونه.

المجتمع المُستقطب يؤثر في جميع أفراده حتى المعتدلين منهم – صحيح أننا نتفاوت في درجات الاستقطاب من شخص لآخر بناءً على البيئة المحيطة وبناء على اتجاهاتنا الفكرية وميولنا السياسية إلا أننا جميعًا نتأثر بتلك الموجة العنيفة من الاستقطاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, ثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد