عزيزي الزميل، والجار المواطن الكريم؛ أودُ أن أذكرك بنظرية الباحث الاجتماعي، والفيلسوف العظيم «إنجلز»، في قضية الحكومات.

أوضحت لنا آراء «إنجلز» أن الحكومة كيانٌ ناشئٌ من خلاف الطبقات الاجتماعية، وصعوبة تحديد القرارات بناءً عن هذا الخلاف؛ ظهرت الحكومات لاحتياج الشعب، إلى ممثل وباحث عن سُبل التوافق، وقد أوضح «إنجلز» أن بقاء الحكومة، قائم على استمرار الخلاف.

وفقًا لتلك النظرة؛ تستمر الحكومات، باستمرار الاختلاف، بين طبقات وأعراق مجتمعها، وتتلاشى في حالات الوفاق، ويكاد يكون دورها ثانويًا، وصوريًا؛ ولذلك طالما تجد الحكومة، تبحث عن طبقة تنصرها على طبقة أخرى؛ لتضمن بذلك استمرار الصراع بين الطبقات، وتضمن أيضًا استمرار وجودها، باعتبارها أحد أهم مراكز السلطة.

حتى في أعظم بلاد العالم، يجب أن تعلم أن وزارة المالية لا تُفضل سوى الفقراء؛ لاحتياجاتها الحقيقية لجمع الضرائب من الأغنياء، يُمثل الفقير لدى تلك الوزارة بمثابة إعلان متحرك، ومُطالب بالطعام، والشراب، والخدمات، تصبح شعارات جامعي الضرائب «ادفعوا ضرائبكم لديكم فقراء».

في الجانب الآخر لنفس الحكومة، ستجد وزارة الاستثمار، ومن تهتم بانتعاش اقتصادها، تحاول إضافة كل التنازلات الممكنة؛ لإعطاء المستثمر عرضًا جيدًا، حتى يساهم في استقرار اقتصاد البلاد، في ذات الحكومة تجدها تقف في صف الغني تارة، وفي صف الفقير تارة أخرى، ربما إن دققت في شروط نجاح كل وزارة من الوزارات، ستتفهم الأمر بشكل واضح.

ما يهم كل وزارة أن تنتصر لقضايا بقائها، وتصبح الحكومات صورة من الكمال، من حيث العدو والرفيق، في حالة وزارة الاستثمار يصبح الغني هو صديق الدولة الأول، والفقير هو من يخرج عن الحُسبان.

أما في حالة وزارة المالية الفقير، ليس ما يدفع عنه الضرائب، يصبح صديق الدولة، ويصبح العدو من لديه المال، حينما تتبدل الطبقات من حيث المستفيد، والذي يجب أن يتكفل بصناعة فرص الفائدة، هنا عليك أن تعلم أن الحكومة لم تصبح حكومة، باعتبارها شخصًا لرئيس الوزراء فقط، بل استحالت إلى دولة مؤسسات.

الكارثة التي يجب أن ندركها حقيقةً، وأننا نفقدها، ليس أن التموين قد ينتهي قريبًا، أو أن البنزين في غلاء مستمر، حقيقةً هي مشاكل حقيقية، لا أنكرها، ولكن عليك أن تقلق فيما أكثر من هذا، هل يمكن أن يوجد في أحد الأيام شخصًا قادرًا على حل الأزمة؟!

لم يتضح لنا حتى اللحظة أن الوزارات تعمل بشكل فعلي باعتبارها مؤسسات، تُشكل طاولة الحُكم في البلاد، بل ما يبدو لنا، أن في جميع الوزارات هناك صديقًا واحدًا، وعدوًا واحدًا، وهذا يعني أن العلاقة القائمة على تبادل العدو والصديق، التي وضحتها سابقًا، لم تعد موجودة، وسلسلة لاستمرار جهود الدولة، في مصالح المواطنين، بل أصبحت الدولة بمثابة أداء لطبقة معينة من الشعب، لا يحق للشعب أن يثور لكي يقتل بعضه بعضًا، ولا يصح أيضًا أن يظل الشعب ساكنًا، بينما فئة من الشعب تستفيد بما تبقى من خيرات البلاد .

فشل الحكومة أتى من أنها لا تنصر سوى طبقة واحدة، دون غيرها من الطبقات، والأمر المؤسف أن تلك الطبقة لا تقدم فائدة ملحوظة، بل حتى في مسألة نصرها بمفردها دون الآخرين؛ يعني أنك أصبحت مثال يوسف – عليه السلام – من بني يعقوب، ربما تكون نبيًّا، ولكنك في الحقيقة مكروه، ومبغض من جميع إخوتك، من جميع من يتوجب عليهم بالبديهة أن يصطفوا حولك، ويقلقوا من أجلك.

حينما يأتي وزير كهرباء جديدًا، لن يستطيع حل أزمة الكهرباء ببساطة؛ لأن منذ زمن بعيد، لم يكن في حُسبان وزير الكهرباء، أن يقوم بتقديم مشاريع، بل هو يقوم بافتتاح المشاريع نيابةً عن رئيس الحكومة، الذي ينوب عن الرئيس شخصيًا.

كل من سيأتي مستقبلًا في وزارة المالية، سيكتفي بطباعة الجنيهات، كل من سيتقدم من أجل شغل منصب من المناصب، سيكتشف أنه لا يملك أدوات حقيقية، لتغيير مصائب منصبه؛ لأن المنصب يفتقد للتكوين الفعلي، والبناء الحقيقي، والخطط.

وما يجب أن تدركه من هذه المصيبة، أنك لا محال ستهلك، إن لم تفكر في بديل، يستطيع تحمل فاتورتين؛ الأولى- أن الدولة المصرية منذ ثورة يوليو، لم يتم تأسيسها فعليًا، وفقًا لمفهوم دولة، ونظريات تكوين الحكومة. والفاتورة الأخرى- ناشئة من أزمة السبع سنوات الأخيرة، شرحتُ تفصيلًا أزمة عدم تكوين الحكومات بمفهوم المؤسسات، ولكني سأشرح بقدر المستطاع أزمة السنوات الأخيرة في مصر، حتى يتسنى للقارئ أن يدرك رسالتي إليه.

في مطلع التسعينيات، عندما أَسقط نظام مبارك، الريان، وأرسل العمالة للخليج، وبدأ في فكرة الخصخصة، كان الهدف من ذلك؛ توفير الأموال لخزينة الدولة، نظرًا لأن «السادات» أنفق، وما ترك حيلة مصر، البلاط حتى.

ولم تأتِ علينا عقود سلامة، حتى بمشروع «مارشال»؛ الذي تم تطبيقه في عديد من الدول، بالأخص اليابان من بعد الحرب العالمية باعتبارها نموذجًا، لجأت دول الخليج أيضًا بأن تعطي مصر نقودًا بعد ما استطاع «صدام حسين» أن يقنع دول الخليج، أن جيوشهم وأراضيهم في خطر، وأصبحت الأموال المتدفقة تأتي من الخصخصة، والخليج، وأمثال الريان من المغضوب عليهم.

لم تكفِ الفلوس احتياج مصر فترة طويلة، لذلك لجأ «مبارك» إلى الاعتماد على السياحة فترة طويلة، وكان في سنوات التسعينيات، بدأ تدهور مصانع المحلة، وهي الصناعة التي أسسها «محمد علي» ورئيس وزرائه «نوبار باشا» في القرن التاسع عشر، كانت في نهاية القرن العشرين تشهد سقوطها.

لجأ «مبارك» إلى استمرار الخصخصة، وبالطبع مع استمرار السرقة، والنهب، وامتداد نفوذ الوطني، ورجال أعمال نظام «مبارك»، أصبحت البلاد حقيقةً في عام 2008 عبارة عن بضعة أسماء، أنتم جميعًا تعرفونها جيدًا، ومصانع يتم إغلاقها، أو بيعها، باعتبارها مصانع القطاع الخاص، بعد أن كان المصريون يحتفلون بكونها مصانع الأمة.

حدث السادس من أبريل (نيسان) من عام 2008، كان بناءً عن سقوط غزل المحلة، وسوء حال الصناعة في مصر؛ وبالتالي سقوط اقتصاد مصر، الذي كان من أحد دعائمه صناعة الغزل والنسيج، لم يبق لمصر سوى السياحة، وأموال الخليج، والمعونات التي كانت تتبادل بين الاتحاد الأوروبي، وأمريكا.

حينما قامت الثورة تدهورت السياحة في مصر؛ نتيجة أن الشرطة لم تود حقيقةً أداء دورها، حتى يتبدل دعم الشارع للثوار، وسرعان ما أصبح أول من يترحم على زمان «مبارك» القطاع الكبير، الذي اعتمد على السياحة باعتبارها مصدرًا للدخل، ورفاهية كبيرة له، سُكان المدن الساحلية، والمحافظات السياحية مثل أسوان، والأقصر، وسيناء شمالًا وجنوبًا.

توقفت بلاد الخليج عن دفع المعونة؛ نظرًا لعدم تأييدهم ما يحدث في مصر، وذلك الرد مفهوم نظرًا لكونهم دولًا لم تدخل سياق القرن الواحد والعشرين، والجمهوريات، بل استمروا بالنُظم الملكية، وأكثر ما يفسر أمر عدم دفعهم للمعونة المُعتادة منهم، أنهم حقيقةً يخشون أن يتأثر شعبهم بالربيع العربي، ولا يظن الشعب الخليجي أن الأنظمة الحاكمة فيه، تؤيد الثورات العربية على حُكام البلاد المجاورة، ولكي تصبح مأساة مصر، وليبيا، والعراق، وسوريا، واليمن مثالًا حيًّا لكل من يتجرأ على الثورة، ومن يعيشون في الخليج يعلمون ما أقوله جيدًا.

لم يبق لنا حقيقةً غير اثنين؛ المنحة الأوروبية التي كانت تُقدم لبلاد العالم الثالث، حتى تقل الهجرة غير الشرعية منها مثل مصر، والفضل يعود لميناء دمياط بالتحديد. ومنحة المعونة الأمريكية؛ نظرًا لكونها مباركة السلام الدائم مع إسرائيل، والحمد لله أن أمريكا ما زالت مقتنعة أن تلك المعونة – رغم أنها نقصت كثيرًا وتكاد تتلاشى – هي السبب الذي يجعل مصر غير راغبة في محاربة إسرائيل.

كل تلك الأسباب كافية أن تدرك حقيقةً؛ أن الجنيه عائم، ليس لأنه يتم طباعته في البنك المركزي، بدون غطاء معدني، من ذهب، أو فضة، أو حتى أصول ثابتة، أو حتى عملة أخرى، أكثر طلبًا مثل الدولار، بل الحقيقة أن الجنيه عائم؛ لأنه لا يعتمد على اقتصاد، بل لأنه يعتمد على مسألة المصروف السنوي، نحن طوال عهد «مبارك» كُنا مثل طلبة المدارس الابتدائية، لكن لحُسن حظنا كان لدينا أكثر من ولي أمر.

السؤال يا عزيزي الزميل، والجار الطيب المواطن.. هل تعتقد أن زيتك، وسكرك، هما أزمة الوطن الحقيقية؟، أم فكّر حضرتكم الكريم في نظرية الرئيس، ورئيس الوزراء، وتبادل السلطة، وقضية الحكومات من الأساس؟، هل سترغب عن «كرشك» و«عضوك الذكري» الذي ينجب لنا أبناءً، لن يجدوا رغيف العيش، وتبحث معنا ولو لمرة واحدة عن بدائل؟!

على المواطن أن يدرك أربع حقائق؛ أولها: إنه لن يأخذ شيئًا بسعر رخيص على الأقل حتى القرن القادم، وأنه لن يحصل على إصلاح دون إدراك أهمية تكوين مؤسسات، يتم بها تكوين دولة قابلة للاستمرار، ولن يتأثر اقتصادها بتداول السلطة في اتجاه أقل ضررًا مما نحن فيه، والثالثة: إن الحرية التي يبحث عنها المواطن هي حرية اتخاذ القرار، حيث تنجو من خطر غياب نقود الخليج، أو معونة الأوروبي، والأمريكي، والأخيرة: وهي الأهم أن العبد لله، والمواطن، وأبناءه لن نستطيع الحياة في مصر، فلا داعي لإنجاب أفراد يزيدون الطين بلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

احداث, ثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد