الحال عند الصوفية ببساطة هو الأمر العارض المؤقت، أما المقام فهو الأمر المستقر المستمر، والمقصود من السؤال، هل الثورة مستمرة أم لا بد من حالة مستقرة؟ وإن كانت الثورة ليست إلى المالانهائية وما بعدها، فمتى تنتهي الثورة؟

وليس المقصد من المقال هو الثورة ذاتها، ولكن الثورة تمكننا من فهم أعمق لطبيعة الشعب المصري, فالثورة دائما تقول: الشعب يريد, ولكنها لم تحدد: أي شعب وبالتالي ماذا يريد؟

ومن خلال السطور القادمة سألقي الضوء على 3 شعوب مصرية، كل شعب يرى الشعبين الآخرين من الشعوب المصرية الشقيقة.

الشعب الأول: «كفاية هاتخربوا البلد»

يضم الفئات التالية

  • فئة عمرية “الخمسينات فما فوق”.
  • الطبقة ما دون الوسطى والفقيرة، وللمفاجأة الطبقة العليا أيضًا.
  • لا يضم فئات سياسية محددة بل يغلب عليه كونه غير مسيس.
  • قطاع جغرافي بالمدن الكبرى والدلتا “الأقاليم بشكل عام”.
  • يضم الإعلاميين ورجال الأعمال وكبار موظفي الدولة والعاملين في القطاع البيروقراطي للدولة.

خصائص هذا الشعب

  • يسعى دومًا لبقاء الوضع على ما هو عليه، سواء كان وضعًا جيدًا أو لا.
  • لا يعني ذلك سلبية هذا الشعب ولكن احتياجاته لا تلبى إلا في جو من الاستقرار.
  • يطلق عليهم البعض “العواجيز” كل همهم أن يقابلوا ربهم بهدوووووء، وكذلك الفئات المطحونة التي تعمل باليومية وأي اختلال في ميزان الاستقرار يعني أفواهًا جائعة ومصاريف لا تنتهي لن يتم سدادها.
  • أما الطبقة العليا فيهمها الاستقرار للحفاظ على مكتسباتها التجارية والمادية “خاصة فئة رجال الأعمال”.
  • أما نطاق الدلتا الجغرافي فإنه بطبيعته يعتمد على جو زراعي أو أصحاب الوظائف الحكومية وهي بيئة مستقرة بطبعها.

الشعب الثاني: «الثورة مستمرة»

يضم الفئات التالية

  • جزء من الفئة العمرية للشباب “خاصة من 18 حتى 25”
  • يضم التيارات الثورية الاشتراكية، وبعض من شباب التيار الإسلامي من حركات حازمون وأحرار وشباب الإخوان المسلمين “ما بعد 30 يونيو حتى لحظة كتابة هذه الكلمات أو صدور أوامر أخرى لهم”.
  • جزء من الطبقة المتوسطة بالأساس.
  • جغرافيًا في القاهرة والإسكندرية وعواصم المحافظات المختلفة بدرجة أقل.

خصائص هذا الشعب

  • يسعى هذا الشعب إلى الإصلاح جملة واحدة، يعتبر التدرج نوعًا من المداهنة والتخلي عن الثوابت و”بيع القضية” والانبطاح وغيرها من الصفات والأوصاف التي يغلب عليها الحدية.
  • لا يعني ذلك تهور هذا الشعب إلا في حالة الحركات أو الأفراد الذين يستخدمون العنف وسيلةً للتغيير، يذكي ذلك الفئة العمرية المنطلقة بطبيعتها والتيارات الفكرية التي لا تستبعد فكرة الصدام والنطاقات الجغرافية التي تتلاقح فيها الأفكار والأيدولوجيات والطبقة الاجتماعية التي يغلب عليها توفير حد الكفاية فتسعى إلى تعليم أبنائها بينما يسعى الأبناء إلى بناء فكرهم المستقل والمشاركة الفعالة في مناحي الحياة.

الشعب الثالث: «ثم يهدأ ليبني الأمجاد»

يضم الفئات التالية

  • جزء من الفئة العمرية للشباب خاصة «من 25 حتى 40» و «من 18 حتى 25» بدرجة أقل من الشعب الثوري.
  • يضم التيارات الوسطية بين اليمين واليسار التقليدي، وبين الإسلامي والعلماني فكريًا وأيدولوجيا، وبعض الشباب غير المسيس الرافض لحالة الاستقطاب في المجتمع المصري ما بعد 19 مارس 2011.
  • جزء كبير من الطبقة الوسطى بالأساس.
  • جغرافيًا يعمل في نطاق نفس الشعب الثاني ولكنه يملك قبولًا في بعض مناطق الشعب الأول.

خصائص هذا الشعب

  • يسعى هذا الشعب إلى الإصلاح المتدرج والبناء على ما تحقق والانطلاق من الواقع كما هو وليس كما ينبغي أن يكون.
  • يعتبر بعض تحركات الشعب الثوري نوعًا من التهور والاندفاع غير المحسوب وغير المرغوب فيه أحيانًا.
  • لا ينظر للموضوعات بحدية ولكن لديه مناطق قد يظنها المعكسر الثوري مناطق رمادية باهتة، بينما يراها هو مناطق وسطية وواقعية في النظر للأحداث وتحليلها والتعامل معها.
  • لا يعني ذلك انبطاح هذا الشعب ولكنه يترجم عقلانية وموضوعية في النظر للأحداث ويتناسب بصورة كبيرة مع الفئة العمرية والأيدولوجية والجغرافية والاجتماعية التي يضمها هذا الشعب.

متى تنتهي الثورة؟

وبغض النظر عن التقسيمة السابقة، وبعيدًا عن قولبة الشعب وفق هذه القوالب المختلفة، فنحن أمام حاجة ماسة لتكوين تيار مصري وطني إصلاحي حقيقي واقعي قادر على المضي قدمًا بهذا الوطن، يرى هذا التيار 10 بنود هامة تمثل المخرج من الأزمة الراهنة وهي:

1-يرى المسار الإصلاحي هو الأوفق والأصح والأنسب في الحالة الراهنة وليس المسار الثوري.

2-يرى الأيديولوجية هي وسيلة داعمة للتحرك وضابطة له، وليست غاية تعيش وتموت من أجل تحقيقها، وإنما الإصلاح هو الغاية والهدف.

3-يرى الأزمة الحالية في مصر أزمة سياسية وصراعا سياسيا وليست أزمة هوية، ومن ثم استدعاء الأيدولوجية الدينية خطر لأنه وهم وتجارة بالدين من جهة وإيذاء للدين من جهة أخرى.

4-يرى أن أصل الأزمة ومفتاح الحل في مصر وفي المجتمع “على مستوى عالم الأفكار والعلاقات والإنتاج” وليس فقط في السلطة الحاكمة, وإن كانت تتحمل مسئولية كبيرة.

5-يرى أن نقاط الاتفاق في الحالة المصرية خاصة في المجتمع المصري أكثر من نقاط الاختلاف، ولذلك هو يعمق نقاط الاتفاق ويحاول أن ينأى بنفسه أن يشعل النار عند نقاط الاختلاف، ومن هنا هو لا يساهم في الاستقطاب ولا يساعد في إذكائه وإنما يقف في وجهه بشدة.

6-يرى أن الوطن أرض وذاكرة وهوية وعائلة كبيرة، وأن كيان الدولة لابد من الحفاظ عليه، حتى يكون لدينا ما نبدأ منه الإصلاح، فإن كان لديك عمارة تحتاج لإصلاح فليس من الحكمة هدمها بالكامل، استفد بما فيها وابنِ عليه، وإن كانت لا تصلح فعلى الأقل اهدم البناء دون حرق الأرض وتخريبها وإفنائها لتجد ما تبني عليه.

7-يرى أن العنف وسيلة للتغيير، وسيلة فاشلة عمليًا وفكريًا ومنطقيًا وواقعيًا وتاريخيًا، وتكرارها مرة أخرى مع توقع نتائج مختلفة هو حمق وليس فقط خطأ في التقدير.

8-يرى أن الشباب هو من سيبني مصر، ولكن الشباب حتى الآن لم يقدم نموذجا في البناء كما قدم في الهدم، وصورته الذهنية عند المجتمع أنه الثائر على كل شيء وأي شيء بأي طريقة حتى وإن كانت خاطئة، وهي صورة تحتاج لتبديل وتغيير وعمل حقيقي لتغييرها وليس لتثبيتها في أذهان الناس.

9-يرى أن المجتمع المصري به من الإمكانيات الكثير وهو متقبل للمجتمع بكل مشكلاته وإن كان غير موافق على سلبياته، ولكنه لا يلعن المجتمع ولا يتهمه بالتخلف والعبودية، وإنما يرى أنه معذور فهو لم يجرب حرية الاختيار ولم يمارس التعددية ولا السياسة من قبل؛ فلذلك ينبغي علينا أن نكون المعلم الرفيق والطبيب المعالج ولسنا قضاة عليهم نحكم أو الناقد السلبي الذي يسيء.

10-يرى أن الأسهل نقد الواقع, فهو يريح النفس وينفس عما فيها، ولكنه لا يحل المشكلة ولا يخرجنا من الورطة، وأن الأسهل على الإطلاق ترك الساحة والهجرة أو اليأس, واليأس ـ بالنسبة لهذا التوجه ـ خيانة.

وإذا تحقق ما سبق من تلك النقاط العشر، فنحن أمام ثورة تنتهي حالتها الثورية لتتحول إلى واقع إصلاحي حقيقي وتنموي حضاري وليس أمام ثورة تفشل كما يظن البعض، وربما يكون ذلك المخرج من ثنائية بائسة تقول: “ثورة دي ولا مؤامرة” أو ثنائية أخرى أكثر بؤسًا “ثورة دي ولا انقلاب”، لنقول ثورة اجتماعية حقيقية، لا بد أن تظهر آثارها إنتاجًا وفاعلية وتقدمًا وحضارة وتنمية مستدامة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد