ارتضت الدولة المصرية لذاتها أن تحيا حياة البهلوانات، وأن تصبح أضحوكة الداخل قبل الخارج، وارتضى رفقاء الميدان لأنفسهم حياة الضاحكين الساخرين من الدولة المعتوهة صاحبة السبق في اللامنطقيات.

هكذا تسير الأمور في المسرحية الوطنية الهزلية وعرضها المستمر للعام السادس على التوالي، إلى أن تظهر نبرة الجدية على فترات وتطغى على المشهد بين الحين والآخر وتعلو أصوات النفير، حين يقرر بعضهم تحويل الرفض والمعارضة إلى حراك ثوري عملي في الشارع، بدلًا من الاكتفاء بمناوشات المشاغبين على الإنترنت.

قرارٌ يبدو حكيمًا وستثبت الأيام مدى جدواه، يبدأ المتعاطفون في حشد الجماهير وتحميس نفوسهم وتأهيلها لأمرٍ جلل أوشك على الحدوث، وصرنا على بعد خطوات قليلة منه، واقترب يوم الخلاص الذي طال انتظاره كي تُرفع المظالم وتُرد الحقوق إلى أصحابها ويجد الطاغية وحاشيته أنفسهم في قبضة السجّان تمهيدًا لمحاكمتهم ثوريًّا.

يبدأ اليوم المهيب بالأدعية والابتهالات وكلمات عاطفية روتينية على الصفحات الشخصية لتحفيز الناس وحثّهم على النزول والمشاركة في صنع التاريخ الثوري المجيد، في منتصف اليوم تبدأ فقرة الأخبار العظيمة الممزوجة بالشائعات عن الأمجاد والملاحم التي يسطرها الشباب في الميادين أمام جحافل الأمن التي تقهقرت أمامهم من شدة الخوف، ولا مانع من كذبة بيضاء ونشر بعض الصور القديمة للحشد الثوري واستدعائها من جديد على أنها صور حصرية تم التقاطها منذ قليل.

في المساء الكربلائي المألوف نحن على موعد مع فقرة «أحزاني في ميداني» وتتضمن رثاء شهداء اليوم «الفشنك» ومتابعة أخبار المصابين والدعاء للمعتقلين الذين قدّر الله لهم أن يقضوا ليلتهم هذه تحت سياط الدولة فاقدة العذرية أثناء محاولتها فرض هيبتها المفقودة على أجسادهم.

ثم نختتم يومنا بكلمات تمهيدية للحدث الأحمق القادم، ويخبرنا القادة والنشطاء أنه يوم رائع صاحبته إنجازات لا حصر لها، وجولة جديدة أرهقنا فيها الدولة السادية في معركة لم تنته بعد.

كذلك الشكر موصول لمتخصصي التخدير الإيماني الجميل أصحاب نظرية «السوبر الماركت الثوري» من يذكروننا دائمًا بأن ذنوبنا هي من حالت بيننا وبين النصر، وأننا سنواصل الطريق مهما كانت التكلفة، لن نهاجر كما فعل سيدنا محمد، ولن نلجأ إلى الحيل كما فعلها موسى ويوسف وإبراهيم عليهم السلام، ولن نتصالح مع قتلة فجرة كما تم في صلح الحديبية، فقط سننزل إلى الميادين ونقدم أنفسنا وأجسادنا قرابين للقتل والسحل والاعتقال لأن الله أمرنا بذلك.

هنا يأتي السؤال، ما العمل وأين يكمن المخرج من هذا الوضع المؤسف؟

إليك النقاط الخمسة القادمة وبناءً عليها سيندرج عنها ما بعدها من كلمات:

أولًا: المظاهرات لا تحدث تغييرًا، ومن يحمل السلاح سيفرض رأيه على الجميع حتى وإن فاقوه عددًا بخمسين ضعفـًا، وما حدث في يناير 2011 ويونيه 2013 أن صاحب السلاح نفّذ مطالب المدنيين العزّل لأنها توافقت مع هواه ومصالحه الشخصية.

أمّا حين تتجمع الحشود وترفع مطالب تتعارض مع المنفعة الشخصية للطبقة الحاكمة، وما يصحبها من استمرار الوضع الاجتماعي القائم والبقاء في منطقة الأمان، فالنظام يعلم جيدًا كيف يبيدها عن بكرة أبيها مهما كانت الوسيلة أو التكلفة، والواقع يشهد بعشرات الأمثلة العملية على ذلك ابتداءً من فض الشرطة العسكرية لميدان التحرير في 12 فبراير 2011 حتى يومنا هذا.

ثانيًا: معركتنا معركة وعي من الدرجة الأولى، وهذا لا يتعارض مع النقطة الأولى، فالمجتمع حين يدرك بغالبيته طبيعة الصراع ودوافعه ويستطيع تقرير مصيره وتحكيم المصلحة العامة واستدعاء التاريخ ومقارنته بالواقع لاستكشاف ملامح الطريق وتمييز الصالح من الفاسد والاستعداد لدفع الضريبة حتى النهاية، وقتها سينعكس الوعي تلقائيًّا على من يملكون القوة والنفوذ والسلاح كجزء أصيل من المجتمع، وسيساعدوننا بمرونة تامة في التحرك إلى الاتجاه الصحيح دون قطرة دم واحدة في اقتتال داخلي، وهنا فقط يمكننا القول بأن الأفكار ضد الرصاص حين يصل عدد حامليها إلى الرقم الذهبي المهيب الذي لا يمكن مقاومته أو تجاهله أو مقاطعته، ولكنه حلمٌ بعيد المدى على كل حال.

ثالثـًا: الجهل والفقر والاستبداد لا يفترقون، وهم الحائل الصلب بيننا وبين ما كنا نحلم دومًا، حين يستبد الطاغية فالنتيجة الحتمية أن الفقر والجهل في تزايد مستمر، وحين يشتدّ الفقر فلا تحلم بثورة تصحيح قادمة، على العكس سيزداد عشقهم ورغبتهم للذل خشية أن تسوء الأمور أكثر مما هي عليه، ويدعمهم في ذلك المبدأ المقدس جهلهم الكلاسيكي؛ لذلك تجد ميدان الظالم ومريديه يجمع أصحاب الملايين ذوي المصالح بأصحاب الملاليم من لا ناقة لهم ولا جمل.

رابعًا: نحن أقلية، ويجب أن ندرك ذلك بلا نفاق، وألا نكن كمن يغمض عينيه كي لا يراه الناس، نحن فقط نحاول الاحتماء بعضنا ببعض على مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي والتجمعات الشبابية بحثـًت عن دفء مؤقت كقطط منتصف الليل، لكن الواقع أننا نقطة طاهرة في محيط الظلم والفساد، حتى في يناير 2011 أغلب من شاركونا في الشوارع والميادين كان الدافع لنزولهم هو الفضول ومحاولة اكتشاف شيء جديد ومختلف لم تره العين مسبقـًا، والبحث عن نصيبهم في مليارات مبارك ورجاله والتعامل مع النظام بمنطق العند وتخليص الحق على درب خناقات العشوائيات.

والحق يقال إن الدولة نجحت في استيعاب هؤلاء وجذبهم لصفها من جديد وإعادة تدويرهم في خلال شهور قليلة ثم تحويلهم إلى جيوش عظيمة من المواطنين الشرفاء.

خامسًا: نحن لسنا بهذا الضعف حتى نقول إننا لا شيء، كل منّا هو كيان مستقل ناجح في عمله وبين أهله وأصدقائه، ولو كان قدرنا أن نولد في بلد آخر ربما أصبح واقعنا أفضل، لكن إذا نظرنا بشكل جمعي إلى عددنا وعدتنا سنجد أننا مجموعة من التائهين المشردين في مواجهة إعصار كاسح في ملحمة تفوق قدراتنا.

مازلنا نؤمن بأننا يد الوطن التي ستبني وتنهض وتحارب إذا ما قرر الوطن يومًا أن يرسم للأجيال القادمة مستقبلًا أفضل، لكن ماذا تفعل اليد وحدها طالما اختار ما تبقى من الجسد أن يحيا ويموت ذليلًا خاضعًا؟

بذكر ما سبق وبدون تأملات عاطفية في ميدان لا يتسع سوى للعقل والعضلات، يبدو أن الأمل أصبح ضعيفـًا ولا يوجد أي منفذ ضوء نتحسسه كي نكمل الطريق ولا حل الآن سوى الرجوع بما تكبدناه من خسائر هائلة.

تعلّمنا من التاريخ أن أصحاب الكهف فعلوا ما عليهم ودعوا قومهم إلى الحق والرشاد، فكان جزاؤهم الإيذاء والاضطهاد والمطاردة بغية قتلهم، فلجأوا إلى كهفهم واعتزلوا القوم حتى حين.

ناموا واستيقظوا فوجدوا الحال قد تبدّل والحق قد انتصر ولا نعرف كيف تحقق هذا، لكن ما ندركه جيدًا أنهم أدّوا ما عليهم ثم آثروا اعتزال الناس والفرار بدينهم ودنياهم حتى يقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا.

المعركة لا تستحق تلك الضريبة الهائلة من دماء وأعمار ومطاردات وهجرة وتشريد، وأثبتت السنوات الخمسة أن رهانها خاسر.

عليكم بأنفسكم ثم اكتفوا بمراقبتهم في يوم الزينة وهم يرقصون ويهلّلون ويتاجرون بالأرض والعرض ويصبحون على الوطن بجنيه، استغلوا أوقاتكم في الإعداد لهجرة منقذة أو محاولة البحث عن فرصة نادرة للحياة النظيفة في مجتمع العفن.

وعلى كل حال سنتبادل أسماءنا وأرقام هواتفنا، وسنبقى على تواصل دائم، وحين تأتي لحظة التغيير الحقيقية سنلتقي من جديد، وسنتحد لنقود المشهد إن كان يستحق منّا ذلك، أمّا زرع الأوهام والمتاجرة بها فلن نجني منها سوى إهدار ما تبقى من العمر، ومزيد من الفرص بلا جدوى.

هذا الذي كنا نظنه وطنـًا، قد نضح بما فيه وضاق علينا بما رحب ولا يوجد لأحلامنا وآمالنا به متّسع، اعتزلوه وأهله واكتفوا بالبحث عن كهف يؤويكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكهف, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد