السبت 20 أبريل (نيسان) 2019.. العبث يمسك هراوة ضخمة ويقف في منتصف الشارع المصرى للمرة ثانية خلال بضع سنوات. يسيطر على المشهد العام أو ما يسمى بالحياة السياسية في مصر، ويحتل مركز  البطولة الفردية في الأفيش الخاص بالمسرحية المسماة بـ«التعديلات الدستورية» والتى صممت لتنافس أكثر المشاهد عبثية في أشد أفلام الكارتون الصبيانية حماقة.

فمثلًا فى المشهد الافتتاحى ستجد أن اللافتات الضخمة التى تؤيد التعديلات وتحث على المشاركة فيها تحت شعار «اعمل الصح» قد ملأت الشوارع والميادين وواجهات المحلات وشاشات التلفزيون قبل حتى أن يتم اعتماد الصيغ الأخيرة للتعديلات من جهة مجلس النواب بأيام عديدة! وكأنك تمرر لأحدهم عقدًا فارغًا وفي أسفله خانة واحدة (موافق) وتطالبه أن يوقعه دونما إبداء أي رأي أو استنكار! أو كأنما تلك اللافتات هي وحدها التي تعرف أسرار تلك التعديلات التقدُمية العظيمة، ولذا فقد أبدت الموافقة باللون الأخضر وهي تخرج ألسنتها للشعب السائر تحتها في حالة من البلاهة واللامبالاة.

وفجأة دونما سابق إنذار فُتحت أبواب لجان الاستفتاء وبدأ «حسين الجسمي» ينادي مجددًا في مكبرات الصوت على الصعيدي وابن أخوي البورسعيدى دونما حتى أن يعرفا ما سبب النداء تلك المرة؟! وليس غريبًا أن تُلبي طائفة من الشعب نداءات الأستاذ حسين؛ فالرقص على السلالم من شيم المصريين البسطاء، وقد دأبوا عليه منذ زمن حتى يئِس منتقدوهم من تحديد سبب معين لتلك الرقصات – حتى وإن تفلسف بعضهم وشبهها برقصات الموت الأخيرة للطيور – ومؤخرًا ظهر منافسون جدد للأستاذ حسين من  مهووسي الشهرة وبعض الفنانين – الذين وبالمناسبة تحولوا من شادية ومحمد ثروت إلى طارق الشيخ وشعبان عبد الرحيم.. سبحان مغير الأحوال! – يزاحمونه الأنغام التي تلائم «مسارح العرض الهستيرية».

اختلفت الآراء والعبث واحد

كلا الفريقين من المؤيدين والمعارضين قد انقسموا على أنفسهم وشكلوا فصائل مختلفة وآراء متضاربة؛ مما ساهم في إضفاء لمسة عبثية جديدة ذات طابع مصري أصيل:

فالمؤيدون من النخبة المقربة للسلطة الحاكمة ذهبوا بأن التعديلات الجديدة تصب في «مصلحة المواطن»، وأصروا على إبقاء السيد لاستكمال ما بدأه من «الصب في المصلحة»، كما أكدوا أن تلك التعديلات الدستورية ستسمح بخلق الأجواء الصالحة لطرد «قوي الشر» من البلاد، مما سيؤدي إلى ظهور المشاريع التي خبأها سيادة الرئيس في السنوات السابقة.

وقد صرحت طائفة حكيمة منهم بأن التعديلات الدستورية وزيادة مدة الرئاسة سيؤديان إلى «الاستقرار» المطلوب، وردوا على من اتهموهم باستخدام كلمات قديمة مُستهلكة بهدف التأثير على المواطن العادى بأن (الأهم هو استقرار الطبقة الحاكمة والرئيس في السلطة) وليس المواطن أولًا بالضرورة؛ لأن ذلك سيشكل نوعًا من الاطمئنان الذي ينهي حالة الصراع بين السلطة والشعب والذي يتجلى في ملفات حيوية كحقوق الإنسان والتدهور الاقتصادى. واستخدموا زيادة المرتبات والإعفاءات الرئاسية عن المعارضين، والتي واكبت أيام التعديلات الجديدة كدليل مادى على صحة آرائهم وفعاليتها.

أما النوع الأخير من المؤيدين فهم ينتمون إلى فئة دفعت بهم لقمة العيش إلى مقار اللجان الانتخابية في صورة مئات من الحافلات المكدسة تحمل الآلاف من الموظفين بالقطاع العام والخاص، والذي يمثل حبر صناديق الاقتراع بالنسبة لكل شخص منهم علامة مرور من باب المؤسسة التى يعملون فيها من الأساس، ورمز حماية من قطع أرزاقهم.. ضع علامة (✓).

وآلاف من الأكياس الرمضانية والتي لا أعلم لم سُميت بذلك رغم أنها تحتوي على سلع تموينية أساسية من النوع الرخيص؟ كما أنها لا تحتوي على البلح!  فلزوجات الرجال في رحلة ما وراء الحبر نصيب أيضًا من المشاهد التي يحملون فيها الكراتين والأكياس، برغم أنه لا دليل محسوس على وجود الجوع والفقر الطاحن بين فئات الناخبين حسب التقييم النظرى، فتلك المرأة المصرية التي تقف في طوابير العطايا الرمضانية للحصول على منتجات لا تتجاوز الـ80ج.م، تطبخ على الأقل بضعف ذلك المبلغ يوميًا في إفطار رمضان! الفقر لا يعنى المذلة عند المصريين، بل يربطونه بالرجولة «الجدعنة» ولا يبيع فقراؤنا أنفسهم. مثل الرقصات، فالكراتين والأكياس من المشاهد الرئيسة، ولا ننسى الست نِحمِدُه.. ضع علامة(✓).

أما المعارضون فقد اتفقوا علي بطلان التعديلات الدستورية الجديدة، وأن الهدف الأساسي للتعديلات ليس مصلحة المواطن كما يزعم المؤيدون والإعلام، وإنما هو تمديد فترة حكم الرئيس الحالي (في مخالفة صريحة للمادة 226 الواردة بدستور 2014، والتي تحظر التعديل على النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب الرئيس) كما أشار البعض منهم إلى الخلفية العسكرية للرئيس، وربطوا بينها وبين تعديل النص الدستور الذي يُنصب الجيش فيه حاميًا للمدنية، بل أضافوا أن الصلاحيات الممنوحة للرئيس حسب التعديلات الجديدة إنما تُرسخ لحكم الفرد بتنصيب السيسي في خانة الـ«OWNER» الأبدي، وهو على رأس كل الهيئات المدنية والقضائية والاقتصادية.. ويُعين نائبًا له. تُرى هل يعود عمر سليمان؟ بلاد لا تعرف الملل فعلًا.

«صوت عباس الضو في مشهد المال والبنون»

وقد ظهر مشاهير المُعارضين المُطالبين بالاعتراضات الشعبية من خارج الشارع المصري أصلًا، لذا فقد باءت دعواتهم بالفشل في تحقيق ظهور على المشهد العام. وبين المطالبين بالنزول والتصويت بـ(لا) وبين المقاطعين جاءت علامة «✗» باهتة في الخلفية. وقد ظهرت قوى المعارضة ضعيفة على أرض الواقع بعد أن قال غالبية المصريين بحتمية تمرير التعديلات، وضاعت صرخات النخبة في الهواء بعد أن جاءت لتؤكد ظن الغالبية، وتُعلن توقعاتها بالهزيمة قبل بدء المعركة.

الاثنين 23 أبريل 2019.. الفصل الأخير فى المسرحية صامت تمامًا، اللافتات أتمت مُهمتها، ثم رحلت، وبقيت الكراتين الفارغة حول لجان الاستفتاء تُمثل حالة الجمهور العام في كوميديا سوداء عبثية.. وكل سنة وحضرتك طيب.

ماذا لو أن وزارة السياحة استغلت اللافتات القديمة والشعارات في جذب انتباه المواطن الأجنبي وتنشيط السياحة؟

ولكن: لو أن الوزارة أضافت كلمة واحدة ليصبح الشعار «اعمل الصح.. وتعالى»، وروجوا للوضع المعاصر في الشارع المصري عبر استخدام نفس الأغاني والرقصات اللوذعية، واستعانوا ببقايا الكراتين الفارغة في تغطية ما قد يؤذي أولئك الذين ينظرون إلينا بأعينهم الأوروبية، ألن تصبح حينها مصر هي المنطقة الأولى عالميًا في السياحة العبثية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد