بعدما وصل السيسي لمرحلة الطغيان الكامل واستطاع الاستحواذ على مراكز القوى في الدولة المصرية واستطاع توحيد الإعلام تحت بند الصوت الواحد عقب سيطرة الشركات التابعة لمخابراته على منافذ الإعلام في مصر. وبدأ في تكوين جيش جرار من الشباب وتربيتهم علي الولاء والبراء للعقيدة العسكرية وقام بإزاحه جميع خصومه من الساحه السياسية، سواء كانوا عسكريين أو علمانيين ممن وقفوا معه في انقلاب الثالث من يوليو (تموز).

بدأ عبد الفتاح السيسي المرحلة الأهم في إحكام قبضته على مفاصل الدولة وهي التعديلات الدستورية. يحاول الكثير قصر التعديلات الدستورية على الجزء الخاص بتمديد ولاية عبد الفتاح السيسي وتمكينه من الحكم حتى عام 2034، ولكن للتعديلات الدستورية أبعادًا كثيرة لا تقل خطورة عن هذا الجزء، وفي هذه الورقة سنحاول توضيح الأبعاد الخاصة بتعديل الدستور، بالإضافة لتوضيح موقف الغرب الذي ينصب نفسه المدافع عن الحقوق والحريات والديمقراطية بالإضافة لتوضيح الخطة التي يتبعها النظام مع المعارضة في مصر، وإن كانت غير مؤثره لترضيتها وتمرير هذه التعديلات.

إبعاد التعديلات الدستورية

البعد الأول

دسترة الديكتاتورية وتمديد حكم السيسي مع الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد وقمع الحريات وحاله التضييق علي منافذ الإعلام وانتكاسة وعود السيسي. أدرك الشعب مدى زيف وعود هذا الرجل، وبدأت شعبيته القائمة على تزييف العقول وتشويه المعارضين في التراجع بشده. لذلك أسرع النظام في الإعلان عن خطوة كان يتوقعها الكثير، وهي تعديل المواد الخاصة بفترة الرئاسة. وذلك خوفًا من اليوم المحدد للسيسي للخروج من دائرة الحكم. التعديلات المقترحة هي تمديد فترة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست سنوات مع وضع مادة انتقالية تسمح للسيسي بالترشح لمده دورتين متتاليتين بخلاف الدورة التي يحكم فيها أي سيصبح من حق السيسي البقاء في كرسي السلطة حتى عام 2034.

البعد الثاني

فتح أبواب الفساد السياسي من ضمن التعديلات المقترحة تأسيس غرفة برلمانية ثانية إلى جانب مجلس النواب تماثل مجلس الشوري الملغي طبقًا لدستور 2014 يطلق عليه هذه المرة مجلس الشيوخ. وقد تأسس مجلس الشورى كغرفه برلمانية ثانية عام 1979 بعد استفتاء شعبي، وحدد الدستور اختصاصات مجلس الشورى سابقًا عام 1980 مجلس الشوري كان يعتبر بابًا خلفيًا للفساد السياسي ووسيله يستخدمها النظام الحاكم لتقديم ترضيات سياسيه للموالين له وللمعارضة.

وكان هذا أحد أهم الأسباب وراء إلغاء المجلس في دستور 2014 طبقًا لمحاضر جلسات لجنه الخمسين التي أعدت دستور 2014 فقد كان مجلس الشورى القديم وسيلة لتطييب الخواطر وتوزيع مواقع قوى انتخابية لم يكن الحزب الوطني يستطيع أن يغطيها من خلال البرلمان في مجلس الشعب فكان التعديل المقترح لإنشاء مجلس الشيوخ كالآتي: يتشكل المجلس مما لا يقل عن 250 عضوًا وتكون مدة المجلس خمس سنوات وينتخب ثلثا الأعضاء ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي ولا يجوز الجمع بين عضوية النواب والشيوخ.

ويؤخذ رأي المجلس فيما يلي:

الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.

مشروعات القوانين المكملة للدستور.

مشروعات الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

معاهدات الصلح والتحالف والمعاهدات، فمن المفترض أن الجدوى من الغرفة البرلمانية الثانية أنها تضم الخبراء والمتخصصين للتدقيق في القوانين ومراجعتها وليس لضم مؤيدي النظام السياسي.

البعد الثالث

مذبحة للقضاء والنيل من استقلاليته رأي بعض القضاة في التعديلات الدستورية أنها تكتب نهاية استقلال ورأي آخرين أن التعديلات الخاصة بالقضاء هي مجرد محاولة لصرف النظر عن التعديل الأهم الذي يسمح لرئيس الجمهورية بالاستمرار في حكم البلاد حتي عام 2034. تضمنت التعديلات الدستورية أحكام جديدة تخص السلطة القضائية تمثلت في:

إلغاء الموازنات المستقله للهيئات والجهات القضائية.

 

منح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية بما فيها المحكمة الدستورية العليا.

اختيار النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى.

إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية برئاسة رئيس الجمهورية للنظر في شروط تعيينات وترقيات القضاة.

إلغاء سلطة مجلس الدولة في مراجعة مشروعات العقود فوصف البعض هذه التعديلات بعمليه دسترة للديكتاتورية، ووصفها الآخر بمذبحة جديدة للقضاء على غرار مذبحة جمال عبد الناصر عام 1969.

حيث أصدر جمال عبد الناصر عده قرارات في 31 أغسطس (آب) 1968، سميت بمذبحة القضاء، والتي تضمنت إنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية ومنح رئيس الجمهورية سلطة نقل وتعيين القضاة.

البعد الرابع

تقويض صلاحيات البرلمان والحكومة في التعديلات المرتقبة يتم تقليص صلاحيات البرلمان الذي كان من اختصاصه الموافقة على الحكومة ومنحها الثقة بعد تشكيلها من رئيس الجمهورية، أما في التعديلات الجديدة فيكون من حق الرئيس تعيين الحكومة، وتعرض الحكومة خطتها على البرلمان بدون الحاجة لثقة البرلمان.

البعد الخامس

تقنين الانقلابات العسكرية في التعديلات الدستورية المرتقبة سيتم توسيع صلاحيات القوات المسلحة لتصبح من مهامها المحافظة على الدولة والدستور وهو نفس النص الذي كان يمنح الجيش التركي صلاحية المحافظة على علمانية الدولة، وكان من نتائج هذا النص إن قام الجيش التركي بانقلابات عديدة على الحكومات بحجة حماية العلمانية من هنا يصبح من حق القوات المسلحة المصرية الانقلاب على أي رئيس للدولة يراه الجيش غير محافظ على مدنية الدولة من وجهة نظره فنحن هنا أمام تقنين الانقلابات العسكرية بقوه الدستور بالإضافة إلى إسباغ الحماية القانونية والدستورية على المنشآت العامة والمرافق الحيوية؛ مما يعني توسيع وتقنين صلاحيات المحاكم العسكرية للمدنيين.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية والغرب: من الواضح أن المؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية غير متحمسة لملف تعديل الدستور، ليس اعتراضًا علي شخص السيسي، ولكن خوفًا من تكرار ثورات الربيع العربي التي كانت بمثابة كابوس للغرب، ولكن موافقه الغرب في العموم لم تعن للسيسي من قريب ولا من بعيد؛ لأن العلاقات الاستراتيجية القائمة الآن بين النظام المصري والولايات المتحدة أصبح قائمًا علي فكرة المصلحة بمعنى أن يضمن عبد الفتاح السيسي الأمن القومي الإسرائيلي في مقابل المساعدات الأمريكية وعدم التدخل في شئون البلاد الداخلية، وخصوصًا ملف الحقوق والحريات ومن الواضح أن مواقف الدول الغربية عمومًا تكون تابعة بنسبة كبيرة للولايات المتحده الأمريكية.
خطة النظام لترضيه المعارضة وتمرير التعديلات: من خلال صفقة سياسية أعلنها الكاتب الصحافي ياسر رزق الملقب ببوق النظام في سلسلة مقالات حيث يقوم ياسر رزق بتقديم مغريات كثيرة لا تستطيع المعارضة رفضها. يقترح ياسر بتقديم مغريات كثيرة لا تستطيع المعارضة رفضها. يقترح ياسر رزق العوده إلى سياسة المنابر والأحزاب الصورية عن طريق دمج الأحزاب كلها في ثلاثة أو أربعة أحزاب على أن تدمج الأحزاب ذات التوجهات الواحدة، بالإضافة إلى حزب «مستقبل وطن» الذي يقوم بدور الوريث الشرعي للحزب الوطني ويحصد أغلبية في مجلس النواب بالإضافة إلى إسالة لعاب المعارضة عن طريق إنشاء مجلس الشيوخ الذي كان يستخدم لتعيين رؤساء الأحزاب السياسية المهمة والنخب المعارضة لترضيتهم. بالإضافه إلى إعادة تشكيل مجالس إدارات مراكز الشباب بداية من القرى على مستوى الجمهورية وهو ما يعد بمثابة عرض مغرٍ بتقديم مناصب للمعارضة لتحفيزهم على تمرير الدستور.

يسعي النظام أيضًا إلى ترضية طلاب الجامعات واستيعاب النخب الشبابية فيحاول النظام إلهائهم عن طريق إعاده تشكيل اتحادات الطلاب وإعادة العمل الطلابي لحرم الجامعات المصرية، ولا ينسى النظام اللمسات النهائية لترضية العلمانيين بمبدأ حظر الأحزاب الدينية الذي اقترحه ياسر رزق في مقاله. من الواضح أن قوى المعارضة لا تستطيع رفض كل هذه العروض التي تعد بمثابة صفقة سياسية لإعادة هندسة العمل والمشهد السياسي في مصر للعودة إلى ما قبل 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد