لست سياسيًّا ولا إعلاميًّا، ولكني مصريًّا، ‏أوجعني كثيرًا أن أرى بلادي تُباع قطعة قطعة، حتى إن رئيسها يفخر بأنه كان يتمنى أن يكون صالحًا للبيع فيباع. ولقد نظرت إلى المصلحين، والحكماء، والسياسيين، والإعلاميين، من أبناء مصر الثورة؛ فوجدتهم غرقوا في توصيف الواقع، وتجريم السلطة، بل والنحيب، والتباكي على ضياع الثروات، والمقدرات، والفرص. وأعياني البحث عن واضعي الحلول، وسط كل ذلك؛ فلم ‏أجد سوى النافخين في جذوة الثورة، لعلها تشتعل من جديد، أو السائرين في راحلة الدولة، المتتبعين لسراب فرصة التغيير الديمقراطي. وكلا الفريقين أعياه السعي، طيلة السنوات الأربع الماضية، ولم يُدرك نجاحًا، أو يُحدث اختراقًا، بينما ظل «السيسي» صاحب السبق والسلطة.

وها هي مصر تشهد تنصيب «السيسي» للمرة الثانية، عبر ما يُسمى بالانتخابات الرئاسية؛ وهي في حقيقة الأمر لا ترقى حتى لمنزلة اقتراع الثقة، أو الاستفتاء، وذلك بالنظر لما شابها من ضغوطات، وعمليات شراء أصوات، وتسخير الإعلام لصالح الجنرال المتسيد. والمتابع للأمر يُدرك المآلات السوداء، للسياسة في مصر؛ حيث أمست كل التيارات المعارضة، إمّا محاصرة، أو مسجونة، أو مطاردة، أو تائهة لا تعلم للخلاص طريقًا. وقد يقول قائل إن العسكر لم يتركوا موضعًا للسياسة، ولا موطئًا للرأي الحر، وهذا صحيح، ولكن للحقيقة الكاملة وجه آخر؛ يتمثل في أن القوى السياسية، التي قادت ثورة يناير، كانت وما زالت عاجزة عن استيعاب الأحداث، وتخطي الصراعات، والخروج بالجديد من الأفكار، والخطط للتصدي للعسكر، والانطلاق نحو إقامة حياة ديمقراطية، سليمة وقوية بمصر، فما زال فريق من هؤلاء يحلم بخروج الناس للشوارع، في مظاهرات عارمة، لتكرار مشهد يناير 2011، وأمّا الفريق الآخر فيحلم بفرصة التغيير من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

ولست هنا بصدد سرد عيوب الأحزاب، والجماعات السياسية أو الدينية بمصر، ولا للطعن في العسكر، وإنما لأحاول أن أطرح رؤية مختلفة، من رجل عادي لا هو بالسياسي، ولا الإعلامي، رؤية تستوعب واقع الأمور، والظروف، والإمكانات المتاحة لمعسكر الثورة، في مواجهة «السيسي» وعسكره، رؤية قد تنتج حلولًا قابلة للتطبيق، تمكننا من إحداث التغيير السياسي، الذي نحلم به.

وتقوم تصوراتي للحل على عدة أسس، وملابسات، واعتبارات يفرضها الواقع، وحقائق التاريخ القريب، وفقًا للتالي:

إن الديمقراطية منهج سياسي، تبنته وتمارسه دول غربية، وأخرى تسير على طريقها منذ عقود، لكن عالمنا العربي لم يحتضن هذا المنهج، ولم يسلك ذلك الطريق، اللهم إلا في لحظات نادرة، ومن خلال وسائل غير مكتملة، عبر تاريخنا السياسي المعاصر؛ ولذا نحتاج لأُناس مارسوا وتعايشوا مع تجارب ديمقراطية راسخة، ويستطيعون نقل تلك التجارب وتطبيقها، بل والدفاع عنها إن لزم الأمر، حتى لا نقع في مثل تلك الأخطاء، التي أدت بنا إلى خروج الناس في الشوارع؛ للمطالبة بإسقاط رئيس منتخب منتم لجماعة دينية، نجحت في الوصول لسدة الحكم في البلاد.

والأمر الآخر هو أن العسكر في مصر قد تعلموا من درس مبارك والثورة جيدًا؛ فاستقر في عقيدتهم أنه لولا هامش الحرية، الذي سمح به نظام مبارك، لما قامت الثورة، وأن تكميم الأفواه، ونشر جو من الخوف والقلق، هو سياج ضروري؛ يمنع أي تحرك قد يقود لثورة، أو تغيير حقيقي في البلاد، ويبدو أنهم اقتبسوا من نموذج الحكم الناصري أبشع صوره، ومن هنا نحتاج لنافذة من الحرية، يصعب على العسكر سدها.

وعامل آخر مهم؛ وهو أن من قام بالثورة كانوا بالدرجة الأولى شبابًا، وأنهم الشريحة العمرية الأكبر في مصر، وأن الشرائح الأكبر سنًا، عاشت ولعقود في ظل نظم قمعية، ولم تنزع إلى المقاومة إلا قليلًا؛ وذلك يوجب الدفع بالشباب للواجهة، والاعتماد عليهم باعتبارهم قاطرة للتغيير.

ويأتي في المقام الرابع حقيقة أن الجوع السياسي الذي عاشته كل القوي السياسة في مصر، عبر عقود طويلة، قد تحول إلى سُعار هيمنة، وصراع على السلطة، عقب نجاح ثورة يناير، في الإطاحة بمبارك، وأكاد أجزم أن انتكاسة هذا السعار عائدة لا محال، حال انفتاح باب التغيير من جديد، ومن ثَمَّ فنحن نحتاج إلى طائفة من منكري الذات، المؤمنين بالأهداف لا المناصب.

والاعتبار الخامس هو أن هناك شخوص لم تستطع قوى العسكر البطش بهم، مهما فعلوا؛ والسبب في ذلك هو تمتعهم بمكانة دولية، تَحُول دون البطش بهم، وأذكر منهم على سبيل المثال «د.محمد البرادعي، ود.عصام حجي» ومثل هؤلاء يمكنهم القيام بأدوار حاسمة في الصراع مع العسكر .

والمبدأ السادس يتمثل في أن المنطق والتاريخ يقولان إن التغيير، وبالأخص عبر الثورات، كان دائمًا ما يحتاج إلى قيادة، ولا يشترط أن تتولى تلك القيادة السلطة بعد نجاح التغيير، فقد شهد التاريخ نموذج «مانديلا»، الذي حكم، كما شهد «غاندي» الذي لم يحكم، ولكن ظل أبًا روحيًّا للهند.

ويأتي سابعًا حقيقة أننا شعب مسالم، يريد التغيير بأقل كلفة من الدماء، ودون الدخول في صدام مدمر مع العسكر، وأن علينا أن نسعى لتعديل بوصلة الخارج؛ لينفض يده من دعم العسكر، ويدعم الخيار الديمقراطي المعبر عن الشعب المصري، وذلك من خلال خطوات فعالة، تُشعر الغرب بالخوف على مصالحه واستقراره.

ثم تأتي أم الحقائق؛ وهي أن الشعب المصري، وطوائف واسعة من الجيش، والشرطة، ورجال الدولة، السابقين والحاليين، قد طفح بهم الكيل من أفعال «السيسي»، وسياساته، وهو ما يشكل زخمًا حقيقيًا، لأي حركة تغيير قادمة في مصر، ومنطلقًا قويًّا لخطوات الحل المزمع طرحه، في مقالي القادم، والذي أعرضه على كل القوى الوطنية، والأشخاص المعنيين؛ ليقوموا بدراسته ثم تبنيه وتنفيذه، ضمن إطار ما أسميته الحركة التصحيحية لتمكين الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد