هذه العبارة على نفس وزن عبارة “مبروك جالك قلق” وهذا ما حدث، استيقظت يومها في تمام الساعة 12 ظهرًا على مكالمة هاتفية من أحد أصدقائي، وقبل أن يقول أي شيء دخل مباشرةً في الموضوع وقال لي: “مبروك مبارك خد براءة هو وحبيب العادلي والمساعدين وجمال وعلاء، طبعًا مع حفظ الألقاب”.

 

كان أول ما تبادر إلى ذهني في هذا الصباح العكر، الشعور بالنشوة فأنا لم أفاجأ كأي مصري طبيعي، فتقريبًا كان الشعب المصري بالكامل يعلم بالحكم قبل الحكم، ولا أعرف ما الداعي الذي جعل القاضي يكتب كل تلك الأوراق، فعادةً ينطق القاضي ويقول باسم الشعب، فإذا كان الشعب يعلم فلما يضيع وقته الثمين، ولكن على كل حال فالأمر هنا يجب أن يوثق للتاريخ.

 

كان سبب شعوري بالنشوة هنا أن هناك فئة كبيرة من المصريين أصبحت لا تنطلي عليهم تلك الأساليب الخفية والتي يقوم بها النظام، وذلك مثل إحضار الشيخ/ محمود شعبان إلى إحدى حلقات برنامج العاشرة مساءً، والتعامل معه بطريقة فجة ومزعجة جدًّا لفئة كبيرة من الناس، وكان الغرض في وجهت نظري المتواضعة هو تحفيز ما يسمى بالإسلام السياسي على النزول إلى الشارع بشكل قوي في يوم 28 نوفبر 2014، مما مكن قوات الأمن من الحشد الجيد في الشوارع، وذلك تأهبًا ليوم السبت لصدور قرار تبرئة مبارك، فنجن أمام أمرين، إما ألا يتمكن الشباب من غير التيار الإسلامي النزول إلى الشارع بسبب وجود “الآخرين” أو ينزلوا جميعًا لتلصق بهم تهمة الإرهابي، ومما يبدو جليًّا هنا أن الحكومة المصرية لم تكن تعلم بالحكم مسبقًا.

 

أما شعوري الثاني وهو ما صاغه لساني في عبارة تقول: “طيب نروح نسلم احنا نفسنا بقى”، وفي حقيقة الأمر بعد أن استيقظت وبدأت أتابع ردود الأفعال من أصدقائي، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تبين لي أنه كان رأي العقل الجمعي لكل الجيل، والذي كان من نصيبه تلقي مجموعة من الخوازيق الكبيرة منذ أحداث يناير 2011 وحتى اليوم، وانتشرت الصور المعبرة عن الأمر والتعليقات التي تحمل نفس المعنى بصياغات مختلفة، وكان طبعًا من المتوقع نزول الشباب إلى الشارع للتعبير عن الغضب والذي لم يُرض الأجهزة الأمنية في مصر وقاموا بالاعتداء على الشباب بدون أي سبب ولكن لمجرد التعبير عن الرأي، وهذا ما أعدت له القوات الأمنية منذ فترة.

ولكن تبادر إلى ذهني شيء آخر، مبارك حصل على براءة في قتل المتظاهرين ورغم أن الأمر مفجع وغير مفاجئ في نفس الوقت، إلا أننا نتساءل وماذا عن فترة الـ30 عامًا الرمادية التي حكمها السيد مهيب الركن/ محمد حسني مبارك؟؟

 

ولكن لسان حالي طمأنني، على كل حال (عند اللهِ تجتمع الخصوم) وما هو عصي على القانون البشري اليوم لن يكون عصيًّا على خالق البشر في الآخرة، ولكني خشيت أن ينزل الله علينا عقابًا أكثر مما نحن فيه، حيث ذكّرنا الداعية/ محمد حسني مبارك في بداية حكمه في أحد خطاباته بقول النبى صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب”.

 

وعلى الفور كان اول تصريح من السيد/ محمد حسني مبارك إلى السيد العظيم جدًّا واللي أنا بحبه بشكل شخصي الإعلامي ذو النجوم/ أحمد موسى، وصرح “الرئيس” كما ردد الإعلامي الأفعواني أحمد موسى أثناء الحوار بـ” أنا معملتش حاجة” وده شيء منطقي جدًّا لأن الظالم مش ممكن هيعرف إن هو ظالم، وخصوصًا إن القضاء برأه.

وأيضًا تذكرت على الفور المشاهد التي أذيعت من اقتحام مكتب السيد/ حبيب العادلي بمبنى أمن الدولة، وما وجد بها من ملابس داخلية نسائية وجاكوزي، ولكن دعونا لا نتهم الناس بالباطل، فقد تكون بعض المضبوطات، وأيضًا ما يؤكد أنه كان حريصًا على أموال الدولة، أنه في حمام المكتب كان يستخدم “سخان أولمبيك إلكتريك 30 لترًا” كما ذكر مصور الفيديو من داخل المكتب.

 

ملاحظة هامة:
بعد أحداث 25 يناير 2011 انتهجت الشرطة المصرية استراتيجية أمنية جديدة، حيث يرتدي عساكر وضباط الشرطة جوارب رجالي سوداء على وجوههم، لكي يثيروا الزعر في النفوس ولا أعرف هل تلك الجوارب برائحة أم لا، وأيضًا تستخدم لإخفاء وجوه الضباط حتى لا يتم التعرّف عليها فيبدأ الناس في مهاجمة الضابط والمطالبة بمحاكمته، وهذا تطور منطقي في الأسلوب العبقري للأمن المصري يُحسب لهم، الغريب في الأمر أني عندما أقترب من وجوه العساكر أثناء ارتدائهم تلك الجوارب أشعر بنوبة من الضحك العميق، إذ أن الهالة من الغموض والصلابة التي تمنحها تلك الجوارب على وجوه العساكر من مسافة بعيدة، تتنافى تمامًا مع وجوههم الأصلية والتي تنم عن لا شيء، وعن عدم إدراك أي شيء.

 

وهذا الأمر برمته قد استدعاني إلى استحضار هوايتي في الكتابة لنسج مشهد صغير يعبر عن الموقف، وعن كيفية إخفاء النظام المصري لجرائم شهدها العالم أجمع وموثقة، ذكّرني الأمر بالساحر العالمي ” ديفيد كوبر فيلد” عندما يقوم بإخفاء الأشياء كعملية إخفاء تمثال الحرية وما شابه، ولكن بتطُبيق النسخة المصرية منها، مثلما دللنا مسبقًا في الجوارب الموضوعة على وجوه العساكر وكما سأدلل في هذا المشهد البسيط:

 

يخرج أحد السحرة ليبهر الجمع العظيم بفقرة من السحر المصري الخالص، انظروا معي في هذا الاتجاه، هل تروا جريمة الدهس التي تقوم بها سيارة الشرطة هناك؟
الجميع بصوت واحد: نعم.
الساحر: حسنًا، انظر إلى الجانب الآخر، هل ترى الجريمة؟
الجميع: لا، إلا شخص واحد وقف ليقول: “لا” لقد كانت الجريمة على الجانب الآخر.
الساحر: أو لم تعلموا أنه قد صدر قرار بأن من ينظر إلى الجانب الآخر يعد إرهابيًّا؟

 

يصفق الحضور بشكل هستيري غير مصدقين قوة تلك الخدعة العبقرية، ويقرر الساحر التجهيز لعرض آخر لإخفاء هذا الفرد الذي تبجح وتفوه بكلمه “لا” أثناء العرض.

 

وهنا لا يسعني إلا أن أذكر على الفور السيد المتحدث الإعلامي لوزارة الداخلية وهو يقول: دي مسر.. دي مسر.. دى مسر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد