في علاقة هي الأسوأ منذ عقود

لا يمر يوم واحد دون أن تسمع بصراعات المرضى والأطباء، سواء كانت مناوشات لفظية باتهامات متبادلة بالجهل والإهمال أو تنحدر لتشابكات بالأيدي والهراوات، وغالبًا ما تنتهي بخسائر مادية ومعنوية وبشرية ومستوى غير مسبوق من الخطر ملازم لبيئة عمل أقل ما يقال عنها غير صحية، حتى وصل الأمر في حادثة مريرة ليست بالفريدة أن قام أهالي مريض متوفى باقتحام غرفة القسطرة القلبية بمعهد القلب محدثين لتلفيات قدرت بملايين الجنيهات وأحدثت صدى واسعًا، لكن الأمَرّ أن تجد بعض الأشخاص على صفحات التواصل الاجتماعي يتلاومون لإتلاف جهاز القسطرة ذي الملايين ويتناصحون بتهشيم رأس الطبيب أرخص!

ورغم أن ضرورة إتاحة الرعاية الصحية أمام الجميع بما يتناسب مع كافة الشرائح الاجتماعية هي مسئولية الدولة نجدها تبرع في التنصل من وزرها وتلصق تهمة التقصير بالأطباء المهملين، وهذا أمر بديهي؛ إذ إن مشكلة الصحة في مصر متفاقمة وتحتاج الكثير من الجهد والمال لحلها لذا بدا الحل الأسهل والأمثل في هذا الوقت أن يُضرب الأطباء بالمواطنين وليخرج المسئولون من بينهم سالمين؛ فلسان حال المسئولين أنه لا مانع سيدي المواطن أن تحاسب  الطبيب على قصور الخدمات المقدمة لك، ولتصب جام سخطك على الأطباء الجزارين سارقي الأعضاء، ولتنتقم منهم إذ لا يجدون سريرًا لأبيك الهرم وحضانة لطفلك الخديج ضامنًا أن ما تفعله سيمر بلا رادع، وأنت أيها الطبيب فلا ترقب في مرضاك إلًا ولا ذمة، تعامل بمبدأ «على قد فلوسهم»، وحاسب هؤلاء الهمج الجهلة على مرتبك الهزيل، ووضعك المتدني، وكن لا مباليا بأوجاعهم وظروفهم فهم من أعدموا طموحاتك، وتبختروا على حطام أحلامك، لن نتدخل إلا فيما يخص حضورك وانصرافك وارتداءك لـ«البالطو» أما فيما يخص جودة عملك فهذا منوط بأخلاقك، وليفز من يفوز لا يهم طالما المعركة تدور بعيدًا عنا.

وفي ظل حقيقة أن مجمل الإنفاق الحكومي على قطاعات الصحة لا يتعدى فعليًا نسبة 1.7٪ من الناتج المحلي وهى النسبة التى تعد أقل من نصف أدنى نسبة الاستحقاق الدستورى البالغة 3% (من المفترض أن تزداد تدريجيًا حتى تتوافق مع النسبة العالمية للإنفاق الصحي والتي تتراوح ما بين 6 – 10%). يبقى تطوير الصحة بما يليق بالطبيب و المريض من وحي خيال الحالمين لا يمت للواقع المزري بصلة، وستستمر المعركة الخاسرة للكل lose lose battle قائمة بين المرضى والأطباء إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا لذا عزيزي المريض والطبيب قبل أن تقرعا الطبول فلتكملا بقية المقال لعل وعسى أن تميزا مسئوليات أحدكما تجاه الآخر.

عزيزي المريض يجب أن تدرك أولًا أن أي تدخل طبي، سواء دوائي أو جراحي، غير آمن كليًا فكل الأدوية، سواء بوصفة او بغير وصفة، وحتى المكملات الغذائية لا يعني حصولها على ترخيص الـFDA أنها آمنة تمامًا، بل يعني أن النفع المتوقع يفوق الضرر المحتمل، وبقراءة أي نشرة دوائية تدرك أن الأعراض الجانبية تتفاوت من  أعراض بسيطة كالدوار، إلى مهددة للحياة كالإصابة بنوبة قلبية، والاستهانة بتلك المخاطر وتناول الدواء بمناسبة أو غير مناسبة بدون التزام بجرعة أو موعد، وتجربة أدوية بناء على «ريفيوهات فيسبوك»، والكشوفات الإلكترونية ستعرضك عاجلًا أو آجلًا لما لا تحمد عقباه.

وعليك أن تتقبل فكرة أن التدخل الجراحي، وبالرغم من أن التقدم الطبي قد قلل من نسبة حدوث المضاعفات إلا أنه لم يلغها، فأي عملية جراحية بطبيعتها محفوفه بمخاطر تزيد أو تقل وفقًا لعوامل شتى وقد تصل للوفاة، سواء كانت elective أي اختيارية بتخطيط مسبق أو طارئة، سواء كانت استئصالًا للّوز أو قلب مفتوح، سواء كنت بصحة جيدة قوي القلب الرئتين كحلم أطباء التخدير أو مثل معظم المصريين تعاني ضغطًا مرتفعًا أو جلطات متكررة، وسكري غير منتظم، ورئتين مهترئتين، سواء كنت في مركز عالمي مع اتباع معايير السلامة العالمية أو مشفى حكومي لا يتوفر فيه إلا عنصر بشري يغزل حرفيًا بـ«رجل حمار».

ولا يعني ذلك براءة الأطباء من أي مضاعفات تحدث؛ فالخطأ الطبي يحل ثالثًا في قائمة مسببات الموت بعد امراض القلب والسرطان، وذلك في أمريكا، لا أحد عُصم من الزلل، الأخطاء البشرية لا يمكن تجنب حدوثها، وستظل تحدث، كل مقصر سيحاسب وفقًا للرأي العلمي والقانون لا تحدده سهولة العملية، وكونها تجرى يوميًا أو صعوبتها ولا تدعمه الكومنتات أو عدد اللايكات على روايتك لا جدوى من تصور الطبيب كأنه قاتل محترف يتلذذ بموت مرضاه وينتشي لآلامهم ليس منطقيًا أن يفني الطبيب عمره معتزلًا الحياة الاجتماعية دارسًا معظم الوقت معرضًا نفسه لأخطار العدوى المميتة ليتفنن في اذى البشر.

وأنت أيها الطبيب

لن أقول اتبع ضميرك؛ فالضمير كلمة فضفاضة كثيرًا، ولكن اتبع ما تعلمته، وتحمل كالرجال مسئولياتك الثقال التي ارتضيتها يوم ألقيت قسمك ولا تجعل بيئة العمل السيئة التي تمر بها مبررًا لتقصيرك، افعل ما بوسعك دون أن تلحق بنفسك الضرر لا لتقدير مادي أو معنوي، لن تناله هنا، لكن تآزرًا مع مرضى انت ملجأهم لا ذنب لهم بقصور التوعية الصحية ولا علم لهم بنقص الإمكانيات من عدمها، والتمس لمريضك 70 عذرًا، فما يلقاه بين أروقة المستشفيات ليس بالهين، وهناك من أساء للمهنة بشكل أو بآخر والدخان الذي يخنقنا الآن لا بد من شرر تسبب به.

وأخيرًا إن تقطعت بنا السبل يبقى الأمل فينا، كفانا عداوة غير مبررة الطب، لم يكن يومًا مسلك المرفهين والمشافي الحكومية ليست مقصدًا للمنعمين، فإن التقينا يومًا فلا تنس «ياما في المستشفيات مظاليم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد